Uncategorized
الاتفاقية المائية بين بغداد وأنقرة… خطوة تاريخية أم ورقة نفوذ جديدة؟
كتبت: هدير البحيري
في ظل أسوأ موجة جفاف تضرب العراق منذ قرن، أبرم العراق وتركيا اتفاقية تعاون مائي تمتد 15 عامًا، تتضمن مشاريع مشتركة للسدود والبحيرات ودراسة شاملة للوضع المائي في البلاد. ورغم الترحيب الرسمي بالاتفاقية ووصفها بـ”التاريخية”، إلا أنها تثير تساؤلات حول مدى حفاظ بغداد على سيادتها المائية، في وقت تُتهم فيه أنقرة باستخدام المياه كورقة ضغط لتعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي في المنطقة. وجرى توقيع الاتفاق بحضور وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين ونظيره التركي هاكان فيدان، إلى جانب عدد من كبار المسؤولين من البلدين. وقال رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني إن الاتفاق يمثل “أحد الحلول المستدامة لأزمة المياه في العراق”، مشيرًا إلى أن شح الموارد المائية يتطلب تعاونًا إقليميًا واسعًا. ومن جانبه، أشاد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بـ”خطوات الحكومة العراقية في تعزيز العلاقات الثنائية”، فيما نفى المتحدث باسم الحكومة العراقية، باسم العوادي، ما تردد عن تنازل العراق عن ديونه مقابل توقيع الاتفاقية، مؤكدًا أن الوثيقة تركز على التعاون الفني والاستراتيجي في إدارة الموارد المائية. وأوضح بيان مكتب رئيس الوزراء أن تمويل المشاريع المشتركة سيتم عبر عوائد مبيعات النفط العراقي إلى تركيا. وتشمل المرحلة الأولى بناء ثلاثة سدود ومبادرات لاستصلاح الأراضي، في خطوة يرى مراقبون أنها تتجاوز البعد الاقتصادي لتعيد رسم توازنات النفوذ الإقليمي في الشرق الأوسط. ويمثل الاتفاق امتدادًا لزيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى بغداد في أبريل 2024، التي دشنت مرحلة جديدة من التقارب بعد سنوات من التوتر بشأن تقاسم مياه دجلة والفرات. وفي سياق متصل، دعت لجنة الزراعة والمياه والأهوار في البرلمان العراقي الحكومة إلى ضمان التزام تركيا بإطلاق الحصة المائية للعراق، مشددة على أن الاتفاقية يجب أن تكون ملزمة للطرفين لحماية الأمن المائي للبلاد. وقالت عضو اللجنة زوزان كوجر إن الاتفاقية تمثل خطوة إيجابية نحو تعزيز التعاون الاقتصادي والمائي، مشددة على ضرورة تحديد كميات المياه بدقة ووضع آليات واضحة للتعامل مع الظروف المناخية القاسية. وأوضحت أن مؤشر الجفاف في العراق بلغ 3.7 من أصل 5، ما يعكس مستوى مرتفعًا من شح المياه. وأضافت كوجر أن إشراك المواطنين في متابعة تفاصيل الاتفاقية يعد أمرًا ضروريًا لضمان تكاتف حكومي وشعبي لمواجهة التحديات البيئية والمناخية.غضب واسع في العراق
ورغم الترحيب الرسمي، أثار الاتفاق موجة غضب واسعة على الصعيدين الشعبي والسياسي، وسط مخاوف متزايدة من أن يتحول التعاون المائي إلى تهديد مباشر للسيادة العراقية. وتركزت هذه المخاوف على دخول الشركات التركية إلى المنشآت العراقية، وتنفيذ مشاريع واسعة للري وتخزين المياه، إضافة إلى آلية التمويل التي تربط النفط بالمياه، ما يزيد من الشكوك حول استقلالية القرار الوطني وقدرة العراق على حماية موارده الحيوية. إلى جانب ذلك، أعرب مراقبون عن قلقهم من احتمال وصول الشركات التركية إلى بيانات ديموغرافية وبنية تحتية حساسة أثناء تنفيذ المشاريع، ما يزيد من المخاطر الأمنية والسيادية المرتبطة بالاتفاقية.الماء مقابل النفط: أبعاد سياسية واقتصادية للاتفاق العراقي-التركي
وتشير مصادر دبلوماسية وإعلامية إلى أن الاتفاق المائي الأخير بين بغداد وأنقرة يتجاوز الطابع الفني لإدارة الموارد، إذ يُعتقد أنه يمثل جزءًا من تفاهم أوسع يُتداول تحت عنوان “الماء مقابل النفط”. ووفقًا لما نقلته منصة “الدبلوماسية الإيرانية”، فإن المحادثات بين الجانبين تتجه نحو صيغة تقضي بتزويد العراق بنحو مليار متر مكعب من المياه سنويًا، مقابل استمرار تدفق ما يقارب نصف مليون برميل من النفط يوميًا إلى تركيا. ورغم أن هذه الصيغة تبدو في ظاهرها اقتصادية بحتة، إلا أن مراقبين يرون فيها امتدادًا لسياسة أنقرة القائمة على توظيف الموارد المائية ضمن استراتيجيتها الإقليمية. فمنذ إطلاق مشروع جنوب شرق الأناضول (جاب) في ثمانينيات القرن الماضي، والذي شمل بناء أكثر من عشرين سدًا على نهري دجلة والفرات، استطاعت تركيا تعزيز موقعها كدولة منبع رئيسية والتحول إلى طرف فاعل في معادلة “دبلوماسية المياه” بالمنطقة. ويرى محللون أن الاتفاق الجديد قد يعيد إنتاج هذا النهج عبر تحويل المياه إلى أداة تفاوضية تحمل أبعادًا اقتصادية وسياسية في آن واحد، خصوصًا في ظل تفاقم أزمة الجفاف في العراق وتراجع مناسيب الأنهار خلال الأعوام الأخيرة. فبينما يمنح التعاون مع أنقرة فرصة لتخفيف آثار الأزمة المائية وتحريك عجلة الزراعة، إلا أنه يثير في المقابل تساؤلات حول حدود السيادة الاقتصادية للعراق واعتماده المتزايد على تدفقات مائية مصدرها دولة الجوار. وفي المقابل، قالت مصادر رسمية تركية إن الهدف من الاتفاق هو تعزيز “التكامل الإقليمي” وتحقيق إدارة أكثر استدامة للموارد المشتركة، بعيدًا عن الطابع السياسي للنزاع المائي. ويرى مراقبون أن الحل المستدام يكمن في تبني مقاربة تعاونية شاملة بين دول المنبع والمصب، تضمن توزيعًا عادلاً للموارد وتقلل من فرص توظيف المياه كوسيلة ضغط أو نفوذ. فمع تصاعد آثار التغير المناخي وشح الأمطار في المنطقة، يبدو أن الأمن المائي بات أحد أبرز التحديات المشتركة، وعاملًا مؤثرًا في موازين العلاقات السياسية في الشرق الأوسط.الجمل: ليس اتفاقًا رسميًا… لكنها خطوة استراتيجية بين بغداد وأنقرة
وفي هذا الإطار، قال رئيس وحدة الدراسات والشؤون الأوروبية في مركز العرب، الدكتور هاني الجمل، في حديث خاص لـ”داي نيوز“ إن الاتفاقية الإطارية الموقعة بين العراق وتركيا لا تُعد اتفاقية رسمية، بل مذكرة تفاهم تهدف إلى تنظيم التعاون بين البلدين في مجالات متعددة، دون الحاجة إلى موافقة السلطة التشريعية العراقية. وأوضح أن هذه المذكرة تعكس تفاهمًا استراتيجيًا بين بغداد وأنقرة، خاصة في ظل أزمة الشح المائي التي يعاني منها العراق منذ سنوات، الذي أثر بشكل مباشر على المشروعات الاقتصادية والتنموية في البلاد.