تقارير

كازاخستان في قلب التحول الأمريكي: بوابة واشنطن الجديدة إلى آسيا الوسطى

لم تكن آسيا الوسطى يومًا في صدارة الاهتمام الاستراتيجي للسياسة الخارجية الأمريكية، إلا أن التحولات الجيوسياسية المتسارعة، وعلى رأسها تصاعد التنافس مع الصين وروسيا، أعادت هذه المنطقة الحيوية إلى دائرة الضوء، باعتبارها ساحة توازن جديدة في الصراع الدولي على النفوذ.

تتمتع دول آسيا الوسطى بثروات ضخمة من الطاقة والمعادن النادرة، إلى جانب موقع جغرافي فريد يجعلها جسرًا طبيعيًا بين الشرق والغرب. وفي هذا الإطار، تبرز كازاخستان بوصفها الدولة الأكثر قدرة على لعب دور “بوابة العبور” لأي انخراط أمريكي أوسع وأكثر فاعلية في المنطقة.

اهتمام متزايد يلفه الغموض

خلال السنوات الأخيرة، أظهرت الإدارات الأمريكية المتعاقبة اهتمامًا متناميًا بآسيا الوسطى، تُرجم إلى خطوات دبلوماسية لافتة، أبرزها عقد قمة رئاسية بصيغة “5+1” في واشنطن أواخر عام 2025، جمعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقادة الدول الخمس في المنطقة.

وعكست هذه القمة رغبة واضحة لدى واشنطن في الانتقال من التواصل التقليدي إلى شراكات أكثر تنظيمًا، غير أن هذا التوجه لم يحسم بعد موقع آسيا الوسطى ضمن سلم الأولويات الأمريكية، خاصة في ظل انشغال البيت الأبيض بملفات أكثر إلحاحًا مثل الحرب في أوكرانيا، والتوترات الأوروبية، والملف الإيراني.

غياب رئاسي وحضور دبلوماسي

ورغم هذا الزخم، لم يشهد التاريخ أي زيارة رسمية لرئيس أمريكي إلى آسيا الوسطى، وهو ما يعكس محدودية الانخراط السياسي المباشر. في المقابل، قام مسؤولون أمريكيون بارزون بزيارات مفصلية، من بينها زيارة نائب الرئيس الأسبق ديك تشيني إلى كازاخستان عام 2006، في ذروة العمليات العسكرية في أفغانستان، إضافة إلى زيارة وزير الخارجية السابق أنتوني بلينكن لكازاخستان وأوزبكستان عام 2023، في محاولة لإعادة تنشيط الحضور الأمريكي.

وعلى النقيض، حرص قادة دول آسيا الوسطى على زيارة واشنطن بشكل متكرر، في إشارة واضحة إلى رغبتهم في تعميق قنوات التواصل مع الولايات المتحدة.

زخم جديد في مسارات التعاون

شهد العامان الأخيران تطورًا لافتًا في آليات التعاون بين الجانبين، تمثل في إطلاق مبادرات مثل “حوار المعادن الاستراتيجية” و”مبادرة الأعمال 5+1″، إلى جانب القمم الرئاسية، ما يعكس توافقًا نادرًا بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي على أهمية آسيا الوسطى في الحسابات الجيوسياسية الأمريكية.

هذا التوافق يطرح تساؤلات حول الخطوة التالية، والتي تتمثل في إمكانية قيام رئيس أمريكي بزيارة المنطقة، بما تحمله من رمزية سياسية ورسائل استراتيجية.

كازاخستان.. الشريك الأكثر جاهزية

تُعد كازاخستان الدولة الأكثر تقدمًا اقتصاديًا في آسيا الوسطى، فضلًا عن كونها الشريك التجاري الأكبر للولايات المتحدة في المنطقة. ويتبنى الرئيس قاسم جومارت توكاييف مسارًا إصلاحيًا يركز على التحول الرقمي وجذب الاستثمارات الأجنبية.

وتلعب مؤسسات مثل “كازاخ إنفست” دورًا محوريًا في تسويق البلاد كمركز إقليمي للأعمال، بينما تعكس الزيارات المتكررة للوفود الاقتصادية الكازاخية إلى الولايات المتحدة، وآخرها إلى نيويورك في أكتوبر الماضي، جدية أستانا في تعزيز شراكتها مع الغرب.

الجغرافيا كمفتاح نفوذ

ورغم كونها دولة غير ساحلية، تتمتع كازاخستان بموقع جغرافي يمنحها أهمية استراتيجية استثنائية، إذ تقود ما يُعرف بـ”الممر الأوسط” عبر بحر قزوين، الذي بات يُنظر إليه كبديل حيوي لمسارات التجارة التقليدية بين آسيا وأوروبا.

ومع احتمالات تفعيل ممر زنغزور بين أرمينيا وأذربيجان مستقبلًا، قد تتعزز مكانة كازاخستان كمحور لوجستي رئيسي في أوراسيا، بما يتقاطع مع المصالح الأمريكية الرامية إلى تنويع سلاسل الإمداد العالمية وتقليل الاعتماد على المسارات الخاضعة للنفوذ الروسي أو الصيني.

سياسة التوازن بين القوى الكبرى

تحافظ دول آسيا الوسطى، وفي مقدمتها كازاخستان، على علاقات وثيقة مع روسيا والصين، سواء من خلال التكتلات الإقليمية أو الشراكات الثنائية العميقة. إلا أن هذا لا يمنعها من الانفتاح على الغرب، الذي تنظر إليه كفرصة لتعزيز سياسة “تعدد المسارات” التي تميز دبلوماسية أستانا.

في هذا السياق، تسعى كازاخستان إلى توظيف العلاقة مع الولايات المتحدة كعامل توازن، يحد من الهيمنة الروسية أو الصينية، دون الدخول في مواجهات مباشرة مع أي من الطرفين.

المعادن الاستراتيجية وأمن الطاقة

تمتلك كازاخستان احتياطات كبيرة من المعادن النادرة والعناصر الحيوية للتحول الطاقي والصناعات المتقدمة، وهي موارد تحظى بأهمية متزايدة في الاستراتيجية الأمريكية، في ظل التنافس العالمي على تأمين سلاسل التوريد.

ومن ثم، يصعب على واشنطن تحقيق اختراق حقيقي في سوق آسيا الوسطى ومواردها دون شراكة وثيقة مع أستانا، التي توفر بيئة أكثر استقرارًا وقدرة على التعاون طويل الأمد.

مؤشرات سياسية إضافية

في مؤشر على تنامي التقارب السياسي، أعلن الرئيسان الكازاخي قاسم جومارت توكاييف والأوزبكي شافكات ميرزيوييف موافقتهما على الانضمام إلى “مجلس السلام” الذي اقترحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي يركز مبدئيًا على الصراع في غزة، مع احتمالات توسيع نطاقه لاحقًا ليشمل نزاعات دولية أخرى.

وتندرج هذه الخطوة ضمن جهود أمريكية أوسع لتعزيز العلاقات مع دول آسيا الوسطى، في منطقة طالما خضعت لنفوذ روسي وصيني واسع.

زيارة محتملة ورسائل استراتيجية

ورغم أن زيارة رئيس أمريكي إلى آسيا الوسطى لا تبدو وشيكة في ظل ازدحام الأجندة الدولية، فإنها تظل خطوة منطقية إذا ما أرادت واشنطن تحويل اهتمامها السياسي إلى شراكة استراتيجية حقيقية.

زيارة محتملة إلى أستانا ستكون حدثًا مفصليًا، تفتح صفحة جديدة في العلاقات الأمريكية–الكازاخية، وتؤكد أن آسيا الوسطى لم تعد هامشًا جغرافيًا في السياسة الدولية، بل عنصرًا فاعلًا في معادلة التوازن الاستراتيجي في أوراسيا.

Mariam Hassan

مريم حسن كاتبة وصحفية متخصصة في الشأن الهندي ـ الباكستاني و جنوب شرق آسيا خبرة سنتين في مجال العمل الصحفي والإعلامي. أماكن العمل : داي نيوز الإخباري. أعمل على ترجمة وتحرير الأخبار والتقارير الصحفية المتنوعة. تحليل و دراسة التحولات السياسية والتهديدات الأمنية في آسيا وانعكاساتها على الأمن القومي المصري والعربي. متابعة التطورات الاقتصادية والتكنولوجية، وتحليل سياسات القوى الإقليمية وأنماط التحالفات بين جنوب آسيا والشرق الأوسط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى