في هندسة الخوارزمية.. هل يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى “فضيلة التواضع”؟
في الماضي، كان “صمت الطبيب” أداة علاجية واعية تهدف إلى حماية المريض من الارتباك؛ أما اليوم، وفي ظل غزو الذكاء الاصطناعي للتشخيص الطبي، ينتقل السؤال من أروقة العيادات إلى مختبرات البرمجة: هل يمكننا تعليم الآلة متى تصمت؟
سلطت دراسة حديثة للباحث “محمد رشاد الإسلام” من جامعة دافوديل الدولية (يناير 2026) الضوء على إطار تقني مبتكر يدمج “الوعي بعدم اليقين” في تشخيص السكتة الدماغية. فبدلاً من إجبار النموذج على تقديم حكم جازم، يمتنع النظام عن الكلام ويحيل القرار للطبيب عندما تنخفض درجة موثوقية البيانات. هذا التوجه يعكس تحولاً من الذكاء المطلق إلى “الذكاء المتواضع” الذي يدرك حدوده التقنية.
تحدي الإفصاح الرقمي: متى يتحول التنبؤ إلى عبء؟
تطرح الدراسة والواقع الطبي معضلة أخلاقية كبرى؛ فالقدرة على التنبؤ بالأمراض قبل سنوات من وقوعها لا تعني بالضرورة وجوب الإعلان عنها. فكلمة “خطر” المنبعثة من خوارزمية قد لا تكون دقيقة بنسبة 100%، تتحول من رقم إحصائي إلى “ضجيج علاجي” يسبب قلقاً مزمناً وفحوصاً غير ضرورية، فيما يُعرف بالانزياح الصامت للمسؤولية، حيث يجد الطبيب نفسه مقيداً بتوصيات رقمية تبدو محايدة لكنها تفتقر للحس الإنساني.
مبدأ الصمت الخوارزمي
يبرز مفهوم “الصمت الخوارزمي” كضرورة أخلاقية ناشئة؛ فهو ليس إخفاءً للحقيقة، بل ترشيحاً لها بميزان المنفعة والضرر. فالآلة لا تشعر بالقلق في عيني المريض ولا تدرك ثقل الكلمة، مما يجعل الطبيب هو الميزان الأخير الذي يزن الاحتمال الرقمي بضياء الخبرة البشرية.
إن مستقبل الرعاية الصحية لن يُقاس فقط بمدى دقة ما تقوله الأنظمة الذكية، بل بقدرتها على التراجع خطوة ومعرفة متى يكون الصمت أبلغ وأكثر أماناً، تاركةً للإنسان الكلمة الأخيرة.



