تقارير

“روبلوكس”… عالم افتراضي للإبداع أم فخ رقمي يهدد سلامة الأطفال؟

ثغرات قاتلة في عالم الألعاب: كيف فشلت «روبلوكس» في حماية مستخدميها الصغار؟

كتبت: شروق محمد 

في الوقت الذي تسوق فيه شركة «روبلوكس» (Roblox) منصتها باعتبارها مساحة آمنة للإبداع والتفاعل الاجتماعي بين الأطفال والمراهقين، تتزايد على المستوى الدولي التحذيرات من تحول هذا العالم الافتراضي إلى بيئة محفوفة بالمخاطر، قد تستخدم كأداة للاستدراج، ونشر المحتوى غير اللائق، وتعريض القاصرين لانتهاكات نفسية وسلوكية خطيرة.

بالأدلة والوثائق، هناك وجه خفي للمنصة، مستنداً إلى تقارير بحثية، دعاوى قضائية، وشهادات خبراء في حماية الطفل، لرصد الأسباب التي دفعت دولاً عدة إلى حظر «روبلوكس» أو فرض قيود صارمة على استخدامها.

الجحيم الرقمي و سياسة الاستدراج

لم تعد المخاطر المرتبطة بمنصة «روبلوكس» مجرد مخاوف نظرية، بل وثقتها تحقيقات دولية موسعة. ويبرز في هذا السياق تقرير مؤسسة Hindenburg Research الصادر في أكتوبر 2024، والذي وصف المنصة بأنها «بيئة خصبة لاستهداف الأطفال»، مشيراً إلى ثغرات خطيرة في أنظمة الإشراف والمراقبة، تسمح للمتحرشين بالوصول إلى القاصرين عبر غرف الدردشة والرسائل الخاصة دون عوائق فعالة.

كما رصد التقرير، إلى جانب تحقيقات إعلامية أخرى، انتشار ما يعرف بـ«ألعاب الجنس» ومحتوى إباحي وعنيف ينتجه مستخدمون داخل المنصة، ويتم تمريره أحياناً تحت مسميات وأشكال تبدو بريئة. هذا النوع من المحتوى، المتاح للأطفال دون رقابة حقيقية، يعرضهم لصدمات نفسية وتشويش قيمي قد يترك آثاراً طويلة الأمد على سلوكهم ونموهم النفسي.

هل الأرباح اهم من تربية الأجيال؟

تواجه «روبلوكس» تصعيد قانوني غير مسبوق في الولايات المتحدة. ففي نوفمبر 2025، رفع المدعي العام لولاية تكساس، كين باكستون، دعوى قضائية تتهم الشركة بتقديم المصالح التجارية والأرباح على حساب حماية القاصرين، معتبرًا أن المنصة فشلت في منع الاستدراج الجنسي والانتهاكات الرقمية.

وفي ديسمبر 2025، انضمت ولاية تينيسي إلى هذا المسار القانوني بدعوى مماثلة، تتهم «روبلوكس» بالإهمال الجسيم في مراقبة المحتوى والتقاعس عن حماية المستخدمين الأطفال. كما يجري النظر في دعاوى فيدرالية مجمّعة تتعلق بالاستغلال الجنسي الرقمي والإخفاق المؤسسي في تأمين بيئة آمنة.

أبرز القضايا القانونية:

  • تكساس – نوفمبر 2025: تقديم الأرباح على سلامة الأطفال والإهمال الرقابي.
  • تينيسي – ديسمبر 2025: الفشل في منع استدراج القاصرين.
  • دعاوى فيدرالية (2025–2026): الاستغلال الجنسي الرقمي وانتهاك واجبات الحماية.

إدمان وعزلة رقمية

إلى جانب المخاطر الأمنية، يحذر مختصون في الصحة النفسية من التأثيرات السلوكية العميقة التي تفرضها آليات «روبلوكس»، والتي تعتمد على التحفيز المستمر ونظام المكافآت الافتراضية، ما يدفع الأطفال إلى قضاء ساعات طويلة داخل المنصة.

وتشمل أبرز الآثار المحتملة:

  • اضطرابات النوم والتحصيل الدراسي نتيجة الإدمان الرقمي والانغماس المفرط.
  • الاستهلاك المادي غير الواعي عبر شراء العملة الافتراضية (Robux)، ما قد يؤدي إلى إساءة استخدام بطاقات الدفع أو سلوكيات احتيالية.
  • العزلة الاجتماعية واستبدال العلاقات الواقعية بتفاعلات افتراضية مع غرباء، بما يضعف مهارات التواصل الاجتماعي لدى الطفل.

الحكومات تشارك في تربية الأجيال

دفعت هذه المخاوف دولاً عدة إلى اتخاذ إجراءات حاسمة ضد المنصة. فقد فرضت تركيا حظر كامل على «روبلوكس» في أغسطس 2024، فيما اتخذت دول عربية خطوات متفاوتة بين الحظر والقيود التقنية.

وفي سبتمبر 2025، أعلنت السعودية والإمارات عن إجراءات مشددة شملت تعطيل ميزات الدردشة الصوتية والنصية، وحظر مئات الآلاف من الألعاب التي لا تتوافق مع معايير حماية الطفل. كما فرضت دول أخرى، مثل الجزائر والعراق والأردن، قيود بدوافع أخلاقية وأمنية.

هل للمحتوي المخالف حدود؟

في مواجهة هذه الانتقادات، تؤكد «روبلوكس» التزامها بحماية المستخدمين، مشيرة إلى إطلاق أنظمة ذكاء اصطناعي مثل Roblox Sentinel في أغسطس 2025، والتي تهدف إلى الرصد الاستباقي للمخاطر. وتدّعي الشركة أن نسبة المحتوى المخالف لا تتجاوز 0.0063% من إجمالي المحتوى.

غير أن خبراء، من بينهم د. عادل عبد المنعم، خبير تكنولوجيا المعلومات، يشككون في دقة هذه الأرقام، معتبرين أنها لا تعكس الحجم الحقيقي للمشكلة، نظراً لضخامة المحتوى الذي ينتج يومياً، وصعوبة إخضاعه لرقابة فعالة في الزمن الحقيقي.

حماية الطفل مسؤولية لا تحتمل المساومة

تكشف قضية «روبلوكس» عن معضلة رقمية معاصرة تجمع بين الإبداع والتكنولوجيا من جهة، والمخاطر الجسيمة على الأطفال من جهة أخرى. وبينما تستمر المواجهات القانونية والتحركات الحكومية، تبقى مسؤولية حماية القاصرين مسؤولية مشتركة، تبدأ من الأسرة، ولا تنتهي عند حدود التشريعات الصارمة والرقابة الدولية.

“حماية الطفل في الفضاء الرقمي ليست خياراً تقنياً، بل ضرورة أخلاقية وقانونية تسبق أي اعتبارات ربحية”
— خبراء في حماية الطفل والأمن الرقمي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى