النفط سلاح ترامب… هل تخسر روسيا والصين؟
عاد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عزمه السيطرة على النفط الفنزويلي “الى اجل غير مسمى” خلط الاوراق في اسواق الطاقة العالمية، فاتحا الباب امام تحولات جيوسياسية واقتصادية عميقة تمتد اثارها من أمريكا الجنوبية الى موسكو وبكين وطهران. فالتحرك الأمريكي لا يقتصر على كونه خطوة اقتصادية تهدف الى خفض اسعار النفط، بل يعكس استراتيجية اوسع لاعادة تشكيل موازين النفوذ العالمي والتحكم في احد اهم مصادر القوة في القرن الحادي والعشرين .
فنزويلا، التي تمتلك اكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، تمثل حجر الزاوية في هذا التحول. وعلى مدار سنوات، ظل نفطها رهينة العقوبات الأمريكية وسوء الادارة والفساد، ما ادى الى تراجع الانتاج من اكثر من 3 ملايين برميل يوميا الى نحو مليون برميل او اقل. الا ان تصريحات ترامب الاخيرة، المدعومة باجراءات عملية كفرض السيطرة على مبيعات النفط ومصادرة شحنات خاضعة للعقوبات، تشير الى ان واشنطن تسعى الى تحويل هذا المورد المعطل الى اداة استراتيجية بيدها.
النفوذ الأمريكي يعيد رسم خريطة السلطة في أميركا الجنوبية
بالنسبة لدول أمريكا الجنوبية، يثير التحرك الأمريكي مخاوف عميقة تتعلق بالسيادة الوطنية. فسيطرة واشنطن على النفط الفنزويلي تعني فعليا فرض نفوذ اقتصادي طويل الامد على دولة محورية في القارة، بما ينعكس على دول الجوار التي ترتبط بفنزويلا بشبكات تجارة وطاقة وتحالفات سياسية. كما ان تحويل فنزويلا الى مركز نفطي خاضع للتوجيه الأمريكي قد يعيد انتاج نموذج “الحديقة الخلفية” الذي طالما سعت دول أمريكا اللاتينية الى التخلص منه.
في الوقت نفسه، قد تستفيد بعض الاقتصادات الاقليمية على المدى القصير من استقرار اسعار الطاقة او زيادة الامدادات، الا ان الكلفة السياسية تكمن في تعزيز الهيمنة الأمريكية وتقليص هامش المناورة امام الحكومات اليسارية او المستقلة في المنطقة.
اقرأ أيضاً:رئيسة فنزويلا بالوكالة: سنتصدى للعدوان الأمريكي بالوسائل الدبلوماسية
روسيا تواجه ضغوط النفط وتحديات أوبك+
تمثل روسيا احد ابرز الخاسرين المحتملين من اي عودة قوية للنفط الفنزويلي تحت المظلة الأمريكية. فموسكو تعتمد بشكل كبير على عائدات الطاقة لتمويل ميزانيتها واستقرارها الاقتصادي، وتعمل بالتنسيق مع “اوبك+” للحفاظ على اسعار النفط عند مستويات مرتفعة نسبيا.
الا ان سيطرة الولايات المتحدة على انتاج فنزويلا تعني امتلاكها نفوذا مباشرا على جزء ضخم من الاحتياطيات العالمية، ما يمنحها قدرة اكبر على اغراق الاسواق وخفض الاسعار. وقد عبر في وقت سابق رجل الاعمال الروسي اوليج ديريباسكا صراحة عن هذا القلق حين حذر من ان واشنطن قد تمنع اسعار النفط من تجاوز 50 دولارا للبرميل، وهو مستوى يضغط بشدة على الاقتصاد الروسي.
اضافة الى ذلك، فان تشديد الحصار الأمريكي على ناقلات النفط المرتبطة بفنزويلا يرفع مستوى المخاطر امام “الاسطول الظل” الروسي، الذي تعتمد عليه موسكو للالتفاف على العقوبات، ما يضاعف التحديات اللوجستية والمالية امامها.
اما الصين، الشريك التجاري الاهم لفنزويلا خلال السنوات الماضية، فتواجه معادلة اكثر تعقيدا. فمن جهة، قد يؤدي توجيه الصادرات النفطية الفنزويلية نحو السوق الأمريكية الى تقليص الامدادات المتجهة الى بكين. ومن جهة اخرى، لا تعتمد الصين بشكل حاسم على نفط فنزويلا، اذ لا تتجاوز نسبته 5% من وارداتها.
لكن الخطر الحقيقي بالنسبة للصين لا يكمن في الكميات، بل في المبدأ. فنجاح واشنطن في اقصاء بكين عن فنزويلا قد يشكل سابقة لتقويض النفوذ الصيني في اميركا اللاتينية، وهي منطقة استثمرت فيها الصين عشرات المليارات من الدولارات ضمن استراتيجيتها طويلة الامد لمنافسة الولايات المتحدة.
كما ان ديون فنزويلا الضخمة للصين، والمسددة جزئيا بالنفط، قد تصبح اداة ضغط اضافية في يد واشنطن، ما يعقد الحسابات الصينية في اي مفاوضات تجارية اوسع مع الادارة الأمريكية.
واشنطن تضيق الخناق على شبكات إيران النفطية
بالنسبة لايران، فان التحرك الأمريكي يمثل تهديدا مباشرا لشبكة معقدة من التبادلات التي بنتها مع فنزويلا لتجاوز العقوبات الدولية. فقد اعتمدت كاراكاس على طهران في توفير “المخففات” اللازمة لمعالجة نفطها الثقيل، مقابل شحنات نفط وذهب. كما شملت العلاقة تعاون عسكريا وصفقات تسليح.
لكن الوجود البحري الأمريكي المكثف في الكاريبي، ومصادرة ناقلات من “الاسطول الظل” الايراني، يهددان بتفكيك هذه الشبكة، ما يزيد الضغوط الاقتصادية على طهران في وقت تعاني فيه اصلا من ازمات داخلية وعقوبات خانقة.
وفي سياق متصل اكدت المحللة السياسية الكسندرا سيتينكواو، في تصريحات خاصة «داي نيوز»، ان امكانية حصول الولايات المتحدة على نفوذ مباشر او غير مباشر على انتاج النفط الفنزويلي تعد تطورا غير مرحب به بوضوح في موسكو”، موضحة ان “روسيا تنظر الى هذا السيناريو باعتباره تهديدا مزدوجا، ليس فقط لانه قد يؤدي الى زيادة المعروض النفطي عالميا وخفض الاسعار، وانما لانه يمنح واشنطن قدرة اكبر على التاثير في مسارات الطاقة العالمية”.
واضافت ان “الكرملين لا ينظر الى فنزويلا باعتبارها مجرد شريك نفطي، بل كجزء من منظومة توازن دولي تسعى موسكو من خلالها الى الحد من النفوذ الاميركي”، مشيرة الى ان “اي توسع للدور الاميركي في قطاع النفط الفنزويلي قد يقوض اليات التنسيق داخل تحالف (اوبك+)، الذي تعتمد عليه روسيا لضبط السوق وحماية ايراداتها”.
واكدت المحللة السياسية ان “الولايات المتحدة، في حال نجحت في فرض نفوذ طويل الامد على النفط الفنزويلي، ستكتسب ورقة ضغط استراتيجية اضافية، ليس فقط في مواجهة روسيا، وانما ايضا في التعامل مع الصين وايران”، معتبرة ان “هذه الخطوة قد تعيد رسم خريطة النفوذ الطاقوي في نصف الكرة الغربي”
من جانبه، قال الدكتور راشد صلاح، الأستاذ بكلية الإعلام ، في تصريحات خاصة لـ«داي نيوز»، إن «التحركات اللأمريكية الأخيرة تجاه النفط الفنزويلي لا يمكن قراءتها في إطار اقتصادي ضيق، وإنما يجب فهمها ضمن استراتيجية أوسع تسعى من خلالها الولايات المتحدة إلى فرض هيمنتها على النظام الدولي عبر التحكم في مصادر الطاقة».
وأوضح أن «النفط لا يزال أحد أهم أدوات القوة في السياسة العالمية، والسيطرة عليه تعني امتلاك القدرة على التأثير في اقتصادات الدول المنافسة، وعلى رأسها روسيا والصين»، لافتًا إلى أن «واشنطن تدرك أن خفض أسعار الطاقة أو التحكم في تدفقها يمنحها ورقة ضغط فعالة تتجاوز الأدوات العسكرية التقليدية».
وأضاف أن «الولايات المتحدة تسعى من خلال بسط نفوذها على النفط الفنزويلي إلى إعادة تشكيل موازين القوة في سوق الطاقة العالمية، بما يسمح لها بتقييد حركة خصومها الاستراتيجيين وإضعاف قدرتهم على المناورة الاقتصادية والسياسية»، مشيرًا إلى أن «هذا النهج يعكس تحولا واضحا في استخدام الطاقة كسلاح جيوسياسي».
وأكد أن «ما يجري ليس مجرد صراع على موارد طبيعية، بل معركة نفوذ طويلة الأمد، تحاول فيها واشنطن إعادة تثبيت موقعها كقوة مهيمنة، في مواجهة صعود قوى دولية تسعى إلى كسر الاحتكار الأمريكي للنظام العالمي»، مشددًا على أن «التحكم في النفط يعني التحكم في جزء كبير من القرار السياسي والاقتصادي للدول الأخرى»
في المحصلة، لا يمكن فصل اعلان ترامب عن سياق اوسع يسعى فيه الى استخدام الطاقة كسلاح اقتصادي وسياسي. فخفض اسعار النفط يخدم المستهلك الأمريكي داخليا، لكنه في الوقت نفسه يضغط على خصوم واشنطن الاستراتيجيين. كما ان التحكم في نفط فنزويلا يمنح الولايات المتحدة ورقة قوية لاعادة تشكيل تدفقات الطاقة العالمية، والتاثير في قرارات “اوبك+”، واعادة ترسيخ نفوذها في نصف الكرة الغربي.
وبينما لا تزال قدرة واشنطن على اعادة احياء قطاع النفط الفنزويلي محل شك بسبب التحديات الفنية والاستثمارية، فان مجرد السعي للسيطرة عليه يرسل رسالة واضحة معركة الطاقة لم تعد اقتصادية فقط، بل باتت في صميم الصراع على النفوذ العالمي في السنوات القادمة.



