
بينما يتسابق العالم للسيطرة على مصادر المعادن النادرة التي تُعد عصب الصناعات الحديثة، تعود صحراء مصر لتتصدر المشهد بوصفها خزينة طبيعية تحمل ثروات استراتيجية تمتد جذورها من فجر التاريخ إلى قلب المستقبل الصناعي والتكنولوجي.
من حضارة التعدين إلى اقتصاد المستقبل
لم تكن مصر لاعبًا جديدًا في عالم التعدين؛ فالنشاط التعديني فيها يعود إلى نحو 3000 عام قبل الميلاد، حيث سجّلت منطقة البرامية بالبحر الأحمر أقدم خريطة لمنجم ذهب في العالم. واليوم، تعود الدولة لإحياء هذا الإرث التاريخي برؤية معاصرة تهدف إلى تعظيم القيمة الاقتصادية للموارد الطبيعية.
المعادن النادرة… سلاح الاقتصاد الحديث
تمتلك مصر احتياطيات واعدة من المعادن النادرة والمعادن الاستراتيجية المرتبطة بها، وعلى رأسها التنتالوم والنيوبيوم، خاصة في منطقة أبو دباب بالصحراء الشرقية، التي تُعد من أكبر المناطق عالميًا في احتياطي التنتالوم. وتُستخدم هذه المعادن في صناعات شديدة الحساسية مثل:
الإلكترونيات الدقيقة والهواتف الذكية
المركبات الكهربائية
الطاقة المتجددة
الصناعات العسكرية والفضائية
هذه الأهمية جعلت المعادن النادرة عنصرًا أساسيًا في الأمن القومي للدول الكبرى، وورقة ضغط اقتصادية في الصراعات الدولية.
مسح جيولوجي وشراكات دولية
تتجه الدولة المصرية لإجراء مسح جيولوجي شامل يهدف إلى تحديث قاعدة البيانات المعدنية، وتحديد مواقع واحتياطيات الخامات بدقة، مع فتح الباب أمام شراكات دولية لنقل التكنولوجيا المتقدمة في مجالات المعالجة والتصنيع، بدلًا من تصدير المواد الخام بأسعار منخفضة.
الذهب والمعادن التقليدية… ثروة لم تُستغل بالكامل
إلى جانب المعادن النادرة، تزخر مصر بثروات معدنية تقليدية ذات عائد اقتصادي كبير، مثل:
الذهب في مناجم السكري وحمش وعشرات المواقع غير المستغلة
الحديد في الواحات البحرية وشرق أسوان
الفوسفات في الصحراء الشرقية
وهي موارد قادرة على دعم الصناعة الوطنية وتقليل فاتورة الاستيراد.
الطاقة النووية والرمال الاستراتيجية
تحتضن مصر معادن تدخل مباشرة في مستقبل الطاقة، مثل:
اليورانيوم في مناطق قريبة من الغردقة
الثوريوم الذي يُعد خيارًا واعدًا للطاقة النووية السلمية
كما تمتلك مصر كميات ضخمة من الرمال البيضاء (الكوارتز) المستخدمة في تصنيع الرقائق الإلكترونية والألواح الشمسية والألياف الضوئية.
الرمال السوداء… مشروع قيمة مضافة
يمتد شريط الرمال السوداء على طول الساحل الشمالي، ويحتوي على معادن ثقيلة تدخل في صناعات الطيران، والسيراميك، والإلكترونيات، والأصباغ.
وقد بدأت مصر بالفعل استغلال هذه الثروة عبر مجمع صناعي متكامل في رشيد، ما يعكس تحولًا من الاستخراج إلى التصنيع.
الأحجار الكريمة ومعادن البطاريات
في الصحراء الشرقية وسيناء، تظهر ثروات أخرى لا تقل أهمية، مثل:
الزبرجد والزمرد والفيروز
الليثيوم والتنتالوم والنيوبيوم المستخدمة في بطاريات السيارات الكهربائية
وهي معادن تشهد تنافسًا عالميًا محمومًا بسبب التحول نحو الطاقة النظيفة.
صحراء تتحول إلى منصة نفوذ اقتصادي
ما تمتلكه مصر اليوم ليس مجرد ثروة معدنية، بل فرصة استراتيجية لإعادة تموضعها كمركز إقليمي لمعالجة وتصنيع المعادن، ودخول سلاسل الإمداد العالمية للصناعات عالية التقنية، مستندة إلى تاريخ عريق، وموقع جغرافي فريد، وموارد طبيعية لا تزال في انتظار الاستغلال الأمثل.



