تقارير

احتجاجات إيران: هل التاريخ يعيد نفسه أم يكتب فصلًا جديدًا؟

كتبت: هدير البحيري

تشهد إيران تصاعدًا لافتًا في وتيرة الاحتجاجات، في واحدة من أعنف الموجات التي تشهدها البلاد خلال السنوات الأخيرة.

ووفقًا لمنظمة “إيران هيومن رايتس” التي تتخذ من النرويج مقرًا لها، أسفرت هذه الاحتجاجات، خلال نحو أسبوعين فقط، عن مقتل أكثر من 40 متظاهرًا، بينهم 9 قاصرين، إضافة إلى إصابة المئات بجروح متفاوتة.

وتعكس هذه الحصيلة المتزايدة مستوى العنف المصاحب للتعامل مع الاحتجاجات، في وقت تتسع فيه رقعة الغضب الشعبي لتشمل العاصمة طهران ومدنًا رئيسية أخرى، من بينها أصفهان وبوشهر وكرمانشاه، ما يشير إلى انتقال الحراك من احتجاجات محدودة النطاق إلى موجة واسعة ذات أبعاد سياسية واجتماعية أعمق، تفرض تساؤلات جدية حول مسار الاستقرار الداخلي ومستقبل المشهد الإيراني.

ويُعزى اندلاع الاحتجاجات بشكل رئيسي إلى ضائقة اقتصادية متفاقمة، تشمل انهيار العملة الوطنية وتسارع التضخم، إلى جانب سوء الإدارة والعقوبات الغربية المستمرة.

هذا الواقع الاقتصادي الصعب جاء ليزيد استياء المواطنين الذين يعانون بالفعل من محدودية الفرص وتراجع القدرة الشرائية، ما دفع أصحاب المتاجر في البازارات الكبرى إلى الاحتجاج ضد الهبوط الحاد للريال الإيراني.

إلى جانب العوامل الاقتصادية، تلعب الأبعاد السياسية والاجتماعية دورًا رئيسيًا في تأجيج الغضب الشعبي.

ويطالب المتظاهرون بالحريات المدنية ويهاجمون رجال الدين والنخبة الحاكمة. كما يرفضون تدخل إيران في دول المنطقة ودعمها للفصائل المسلحة، مؤكدين أن حياتهم وأمنهم يأتيان في المقام الأول.

هذا التوجه يعكس تحولًا كبيرًا في وعي الجيل الجديد، الذي لا يتجاوب مع الشعارات الثورية التقليدية ويريد حياة أكثر حرية واستقلالية.

واتخذت السلطات الإيرانية خطوات لتقييد الحركة الاحتجاجية، أبرزها قطع شبه كامل للإنترنت وتعطيل خدمات الاتصالات، ما يعكس خوف النظام من انتشار الاحتجاجات عبر المنصات الرقمية. كما أظهرت السلطات استعدادها لاستخدام القوة العسكرية والأمنية ضد المتظاهرين، في ظل تصاعد العنف الذي شمل إحراق مبانٍ وممتلكات، وإطلاق النار على الحشود، ما أسفر عن سقوط ضحايا بين المدنيين وقوات الأمن على حد سواء.

وفي هذا السياق، قالت الباحثة في الشؤون الإيرانية، إسراء جبريل، في حديث خاص لـ”داي نيوز” إن الاحتجاجات الحالية في إيران ليست مجرد انفجار عابر، بل تمثل تراكمًا طويل الأمد من الإحباط الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.

وأوضحت جبريل أن فشل النظام المتكرر في تقديم حلول واضحة، إلى جانب سيطرة الحرس الثوري على نحو 70% من مفاصل الاقتصاد وتوجيه الموارد إلى مشاريع لا تحسن غالبًا حياة المواطنين، جعل أي وعود بالإصلاح تفقد مصداقيتها، ما وسع دائرة الغضب لتشمل فئات لم تكن تشارك سابقًا في المواجهات المباشرة.

وقالت جبريل إن الموجة الجديدة بدأت مع انهيار قيمة الريال، ما جعل الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والدواء خارج متناول كثير من الإيرانيين. هذا الوضع دفع بالطبقة الوسطى وتجار الأسواق إلى النزول إلى الشارع، لتتسع بذلك رقعة الاحتجاجات.

وأشارت جبريل إلى اتساع الفجوة الجيلية بين نظام يهيمن عليه جيل متمسك بأيديولوجية الثورة الإيرانية عام 1979، وبين جيلي “زد” و”ألفا” المنفصلين تمامًا عن هذه الأيديولوجية، والساعين إلى حياة أكثر حرية واستقلالية، مؤكدة أن هذه الهوة والشرخ بين الأجيال تعمقا بشكل لافت عقب قمع انتفاضة “مهسا أميني” وما أعقبها من أحداث دموية وسقوط ضحايا، في ظل نظام وصفته بـ”الكهل” يحكم شبابًا يتوقون إلى مستقبل أفضل.

وحول الدروس المستفادة من موجات الاحتجاج السابقة في أعوام 2009 و2017–2019 و2022، قالت جبريل إن التجربة علمت الإيرانيين أن المراهنة على “الإصلاح من الداخل” وهم انتهى مع الحركة الخضراء، وأن لغة النظام الوحيدة هي العنف المفرط كما حدث في “نوفمبر الدامي” 2019.

وأكدت أن موجة 2017-2019 أبرزت الدور المحوري للعامل الاقتصادي في دفع الشارع إلى التحرك، بينما شكلت انتفاضة 2022 تحت شعار “امرأة، حياة، حرية” منعطفًا ثقافيًا واجتماعيًا مهمًا، موحدة الأعراق والمذاهب تحت مطالب الحرية والكرامة، ومشيرة إلى ضرورة ربط الحراك الشعبي بالإضرابات الاقتصادية الشاملة.

وبالنسبة للفوارق بين الاحتجاجات الحالية والموجات السابقة، أشارت جبريل إلى أن الحراك الراهن يتميز بطابع تراكمي يجمع بين الانهيار الاقتصادي الحاد، والانغلاق السياسي، وأزمة شرعية السلطة، مقارنة بموجات سابقة اندلعت نتيجة أحداث منفردة.

وأضافت أن الاحتجاجات اليوم تجاوزت الانقسامات الفئوية، لتشمل العمال والطلاب وتجار البازار معًا، ما دفعها إلى تبني أسلوب الإضرابات العامة والشاملة التي تهدف إلى شل الدولة اقتصاديًا وإداريًا، وهو السلاح الذي يخشاه النظام أكثر من المواجهات الميدانية.

وأشارت جبريل إلى أن القمع العنيف مستمر، لكن النظام لم يعد متماسكًا كما كان سابقًا، مضيفة أن التململ والتردد في صفوف القوات النظامية أعطى الاحتجاجات زخمًا جديدًا، وتحولت الشعارات من مطالب الإصلاح السلمي إلى هتافات تطالب بتغيير جذري تحت شعار “ماضون حتى النهاية”.

أما عن السيناريوهات المستقبلية، فرأت الباحثة في الشؤون الإيرانية أن المشهد قد يتجه إلى استمرار القمع وإحكام السيطرة، أو إلى تغييرات محدودة عبر إصلاحات اقتصادية واجتماعية، مع احتمال حدوث تحولات أعمق على المدى المتوسط في حال استمرار الضغط الشعبي، مؤكدة في الوقت نفسه أن سقوط النظام بالكامل في المدى القريب يظل أمرًا غير محسوم.

وختمت جبريل حديثها بالتأكيد على أن التاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا، وأن الاحتجاجات الحالية تكتب فصلًا جديدًا في تاريخ إيران، يستلهم إرث التجارب السابقة، لكنه يتميز برفض سياسي شامل للنظام ذاته، وليس مجرد الاعتراض على سياساته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى