تقارير

أسطول الظل: العالم الخفي لتجارة النفط وسر تجاوز العقوبات العالمية

كتبت: هدير البحيري

مع تصاعد العقوبات وتوتر أسواق الطاقة العالمية، أصبح “أسطول الظل” أداة استراتيجية صامتة تتحرك بعيدًا عن أعلام واضحة وهويات معلنة.

هذا الأسطول لا يقتصر دوره على نقل النفط والسلع الأساسية فحسب، بل يمثل وسيلة فعالة للدول والشبكات التجارية لتجاوز القيود الدولية، مؤكدًا تحول الملاحة البحرية إلى مساحة صراع اقتصادي وسياسي معقدة وغير مرئية.

الأساطيل بين المراوغة القانونية والرقابة

ويختلف هذا الأسطول عن الأساطيل التجارية والعسكرية التقليدية في الهوية والهدف والإطار القانوني. فالأساطيل التقليدية تعمل تحت أعلام واضحة ويمكن تتبعها بسهولة، وتخضع لقوانين منظمة للنقل والدفاع، بينما ينقل أسطول الظل النفط والسلع متجاوزًا العقوبات، مستفيدًا من ثغرات قانونية تمنحه طابعًا شبه سري ويجعله أداة استراتيجية لتأمين مصالح اقتصادية وسياسية دون تعطل.

وعلى صعيد الرقابة، تخضع الأساطيل التقليدية لمعايير صارمة، في حين يعتمد أسطول الظل على السرية والتلاعب بالأنظمة لتفادي الرصد والعقوبات.

كما ترفع السفن علم دول ذات نظم تسجيل ضعيفة أو غير مراقبة بشكل صارم مثل بنما وليبيريا، ما يجعل ربطها بدول معينة أو بكيانات خاضعة للعقوبات أمرًا صعبًا.

ولهذا يوصف بأنه “ظلي” أو غير مرئي، إذ يوقف أو يخفي أنظمة التتبع ويعتمد على أسماء ومالكين غير واضحين، ما يجعل مراقبته صعبة جدًا.

العقوبات على روسيا وبداية أسطول الظل

وظهر مصطلح “أسطول الظل” بقوة منذ أواخر 2022، عقب تصاعد العقوبات الغربية على روسيا نتيجة غزوها لأوكرانيا، وخصوصًا القيود التي استهدفت صادرات النفط ووسائل نقله التقليدية.

ولجأت روسيا إلى استغلال أسطول من السفن القديمة والغامضة لضمان استمرار تدفق النفط إلى الأسواق العالمية، ما أعطى الظاهرة طابعًا استراتيجيًا وأطلق عليها الخبراء اسم “أسطول الظل”.

وقد فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بعد 2022 عقوبات صارمة على قطاعات الطاقة الروسية، شملت حظر نقل النفط عبر شركات النقل والتأمين الغربية وتحديد سقف سعري للبرميل الروسي.

هذه الإجراءات أجبرت موسكو على البحث عن بدائل غير رسمية تسمح لها ببيع النفط وتحقيق إيرادات للاقتصاد الوطني، وهو ما أسس عمليًا لفكرة أسطول الظل.

ويرتبط أسطول الظل ارتباطًا مباشرًا بالعقوبات الدولية المفروضة على دول مثل روسيا وإيران وفنزويلا، والتي تهدف إلى تقليص مصادر تمويلها الاقتصادية أو الضغط عليها لتغيير سياساتها.

في حالة روسيا، ساعدت الشبكة السرية من السفن على تجاوز العقوبات وبيع النفط إلى مشترين في آسيا وأفريقيا دون الإفصاح عن مصادره، بما مكنها من الحفاظ على إيراداتها رغم القيود الغربية.

أما إيران وفنزويلا، فقد اعتمدتا على هذا الأسلوب للتهرب من العقوبات النفطية الأمريكية، وضمان استمرار تصدير نفطهما إلى الأسواق العالمية، ما يجعل أسطول الظل أداة محورية في مواجهة الضغوط الاقتصادية الدولية.

عمليًا، يعمل أسطول الظل عبر شبكة من السفن التي تسجل تحت أعلام دول ذات رقابة بحرية ضعيفة، أو عبر شركات ملكية معقدة تخفي المالك الحقيقي.

وتعمد هذه السفن إلى إيقاف أو التلاعب بأنظمة التتبع، وتنفيذ عمليات نقل من سفينة إلى أخرى في عرض البحر، بما يسمح بتغيير مسار الشحنات أو إخفاء مصدرها الحقيقي.

وبهذه الآليات، يبدو النشاط الملاحي طبيعيًا على الخرائط الرسمية، بينما تدار العمليات فعليًا لتجاوز القيود والعقوبات المفروضة، خاصة في تجارة النفط.

خبير أمني: أسطول الظل تهديد غير مباشر للأمن البحري

وفي حديث خاص لـ”داي نيوز”، قال الخبير الأمني والاستراتيجي العقيد محسن الشوبكي إن أسطول الظل لا يشكل تهديدًا عسكريًا مباشرًا، لكنه يمثل تهديدًا هيكليًا متصاعدًا للأمن البحري الدولي.

وأوضح الشوبكي أن خطورته تكمن في خلق مساحات رمادية تضعف الشفافية، وتزيد مخاطر الحوادث البحرية والتلوث، وتقوض فعالية العقوبات كأداة ردع.

وأشار إلى أنه مع توسع نشاطه، يتآكل مفهوم الأمن البحري الجماعي لصالح مقاربات انتقائية تقودها القوى القادرة.

وأضاف الشوبكي أن أسطول الظل لم يعد أداة مؤقتة، بل تحول إلى ظاهرة طويلة الأمد مرتبطة بطبيعة الصراع الدولي الحالي.

ويرى الخبير الاستراتيجي أن استمرار العقوبات، وعجز النظام الأممي عن فرضها بإجماع، دفع بعض الدول إلى دمج هذا الأسلوب ضمن استراتيجيات الصمود الاقتصادي، ما يجعل اختفاءه غير مرجح في المدى المنظور.

وأشار الشوبكي إلى أن أسطول الظل يتجه إلى تطور نوعي عبر شبكات أكثر تعقيدًا ومسارات أكثر التواءً، في مقابل تشديد رقابي تقوده دول غربية.

ولفت إلى أن هذا الصراع لن يفضي إلى إنهائه، بل إلى انتقاله نحو مناطق أقل رقابة، ما يعزز خطر ترسيخ نظام بحري مزدوج، رسمي وغير رسمي.

وحذر الشوبكي من أن أخطر السيناريوهات تتمثل في استخدام أسطول الظل لنقل أسلحة أو دعم عمليات عسكرية سرية، خصوصًا في البحر الأحمر وشرق المتوسط والخليج العربي، مشيرًا إلى أن هذا الاستخدام قد يؤدي إلى تصعيد غير محسوب وتوريط أطراف إقليمية دون إعلان رسمي، ما يرفع مستوى عدم الاستقرار البحري.

وأوضح الشوبكي أن المؤسسات الأمنية تتعامل مع أسطول الظل كتهديد غير مباشر وهجين، اقتصادي–أمني–قانوني، لا كخصم عسكري تقليدي، مشيرًا إلى أن التركيز يكون على الرصد والاستخبارات مع تجنب المواجهة العلنية بسبب تعقيدات القانون البحري وحرية الملاحة.

كما شدد الشوبكي على أن أسطول الظل يستغل فجوات بنيوية في الحوكمة البحرية، أبرزها ضعف إنفاذ القانون في أعالي البحار، وتفاوت قدرات الدول، والاعتماد على التصريح الذاتي، مؤكدًا أن هذه الثغرات تعكس خللًا في النظام الدولي نفسه، لا مجرد نقص تقني.

وأضاف الشوبكي أن استمرار أسطول الظل يضعف العقوبات، ويعزز اقتصاد الظل، ويدفع دولًا مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وإسرائيل، وبدعم أوروبي، إلى التحرك دون غطاء أممي في البحر الأحمر وخليج عدن وشرق المتوسط وبحر الصين الجنوبي.

واختتم الشوبكي بالقول إنه رغم رفع كلفة تشغيله، فإن هذه الإجراءات لم تقض عليه، بل أكدت أن العالم يتجه نحو تسييس متزايد للملاحة البحرية وتأثيرها المباشر في موازين القوى الاقتصادية والسياسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى