من الانقلابات العسكرية إلى الحصار الاقتصادي: كيف أصبحت مالي أرض الصراعات المتطرفة؟

كتبت: هدير البحيري
تعيش جمهورية مالي واحدة من أعقد الأزمات في تاريخها الحديث، حيث تتشابك السياسة بالأمن والاقتصاد، وتنعكس تداعيات هذا التشابك مباشرة على حياة المواطنين، سواء في العاصمة باماكو أو في المناطق الريفية النائية.
ولم تعد الأزمة مجرد صراع على السلطة أو مواجهة مع جماعات مسلحة، بل تحولت إلى حالة انسداد شامل تهدد تماسك الدولة نفسها، في ظل عزلة إقليمية متزايدة، وتصاعد غير مسبوق لنفوذ الجماعات المتطرفة، وتدهور معيشي يضغط بقوة على المجتمع المالي.
وفي هذا السياق، باتت مالي واحدة من أكثر بؤر الاضطراب في أفريقيا، حيث تتقاطع الانقلابات العسكرية مع الفوضى الأمنية، ويتراجع الاقتصاد تحت وطأة الحصار والعقوبات وانعدام الثقة الدولية.
ماذا يحدث في مالي؟
في أغسطس 2020، أطاح الجيش المالي بالرئيس إبراهيم بوبكر كيتا، مقدمًا الانقلاب كاستجابة لغضب شعبي من الفساد وتدهور الأمن والاقتصاد، ووعد المواطنين بمرحلة انتقالية قصيرة تعيد البلاد إلى الحكم المدني.
إلا أن هذا الوعد تلاشى سريعًا، حين نفذ العقيد أسيمي غويتا انقلابًا ثانيًا في مايو 2021، ليصبح الحاكم الفعلي للبلاد.
منذ ذلك الحين، تم تمديد الفترة الانتقالية عدة مرات، وتم تأجيل الانتخابات إلى عام 2027، وصولًا إلى حل جميع الأحزاب السياسية في مايو 2025، مما أكد توجه السلطة نحو حكم أحادي.
كما شمل الانغلاق المؤسسة العسكرية نفسها، مع إقالات واعتقالات لضباط كبار، مما كشف عن مخاوف من انقسامات داخل الجيش. هذا المناخ عزز منطق الحكم بالقوة، وأضعف مؤسسات الدولة المدنية، وعمق عزلة مالي داخليًا وخارجيًا.
الجماعات المسلحة: العنف كأداة لإضعاف الدولة
تتصدر جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبطة بتنظيم القاعدة المشهد الأمني في مالي، حيث لم تعد هجماتها تقتصر على العمليات العسكرية المباشرة، بل تتبع استراتيجية أوسع تهدف إلى إضعاف قدرة الدولة على العمل.
خلال 2025، كثفت الجماعة هجماتها ضد الجيش المالي في الشمال والوسط، وأدت هذه الهجمات إلى خسائر كبيرة، ما دفع الجيش إلى الانسحاب من بعض المناطق.
كما تعتمد الجماعة على ما يمكن تسميته بـ”حرب الاستنزاف الاقتصادي”، عبر استهداف طرق إمداد الوقود، وهو عنصر حيوي في دولة تعتمد بشكل شبه كامل على واردات الوقود.
وتهدف هذه العمليات إلى إظهار الحكومة عاجزة عن تلبية احتياجات المواطنين، ما يضعف الثقة بالدولة ويعزز نفوذ الجماعات المسلحة.
وبالإضافة إلى العنف العسكري والاقتصادي، تسعى الجماعة إلى تقديم نفسها كبديل سياسي، خاصة في المناطق المهمشة، ما يزيد الأزمة الأمنية تعقيدًا وخطورة.
الاقتصاد تحت الحصار
أدى استهداف طرق الإمداد إلى أزمة وقود خانقة في باماكو ومدن أخرى، عطلت النقل والكهرباء والخدمات الأساسية، ورفعت أسعار الوقود والمواد الغذائية، ما زاد الضغط على السكان وعمق الفقر.
كما ساهم انسحاب مالي من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) في زيادة التحديات الاقتصادية، وخفض الثقة الدولية والمساعدات، ما أثر على الاستثمار في البلاد. وفي المناطق الريفية، كانت الأزمة أشد حدة بسبب عزل المدن والقرى ونقص الإمدادات، ما أتاح للجماعات المسلحة فرصة أكبر للتغلغل مجددًا وفرض نفوذها.
مالي في قلب التجاذبات الإقليمية والدولية
بعد الانقلابات، دخلت مالي في مواجهة مع إيكواس، التي فرضت عقوبات للضغط على المجلس العسكري.
وعلى المستوى المالي، أعادت باماكو رسم خريطة تحالفاتها الدولية، متجهة بعيدًا عن فرنسا ومتعاونة أكثر مع روسيا، بينما ظهر محور إقليمي جديد يشمل بوركينا فاسو والنيجر تحت حكم عسكري مشترك.
هذا الوضع أثار مخاوف الجيران مثل الجزائر، وأضعف التنسيق الإقليمي لمكافحة الجماعات المسلحة، ما جعل الأزمة في مالي مسألة إقليمية ودولية.
وفي هذا السياق، قال الباحث في الشؤون السياسية محمود محمدي لـ”داي نيوز” إن السيطرة على خطوط الوقود في مالي هي جزء من استراتيجيات الجماعات المتطرفة في منطقة الساحل الأفريقي، وخصوصًا في مالي، التي تعد دولة حبيسة وليس لها أي شواطئ أو منافذ على الساحل.
وأضاف محمدي أن هذا لا يعني أن الجماعات المتطرفة تتخلى عن العمليات العسكرية المباشرة، بل على العكس، فإن ما تفعله هو جزء من خطتها لتحقيق أهدافها العسكرية من خلال الحفاظ على موارد اقتصادية، حتى لو كانت ضئيلة، لضمان استمرار تحركها عبر الصحراء ومحاولاتها للسيطرة على خطوط التجارة مع السنغال.
وأوضح محمدي أن نسبة كبيرة من الوقود يصل إلى مالي عبر الخطوط التجارية مع السنغال وموريتانيا، وأن الحصار لا يقتصر على محطات الوقود الداخلية بل يبدأ من خطوط الإمداد الدولية نفسها.
وأكد أن الجماعات المتطرفة لا تسعى من خلال ذلك للسيطرة على الحياة المدنية فقط، بل تستهدف الانتشار في المناطق الحيوية بالمدن الكبرى، وكسب دعم مجتمعي قسري عبر تقديم خدمات لا تستطيع الحكومة توفيرها، ما يتيح لها تجنيد الشباب الذين يعانون من قلة فرص العمل في البلاد.
وأشار محمدي إلى أن جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” تتوسع في نشاطها من خلال فرض رسوم إجبارية على حركة التجارة، وتسميها “ضرائب”، كما أن انتشار عناصرها في المدن النائية يمنحها فرصة أكبر للسيطرة على أسواق الوقود والأسواق التجارية الأخرى.
وأكد أن نظام الدولة في مالي منهار تمامًا، ما يجعل الغضب الشعبي حالة مستمرة، إذ بينما تحكم الدولة البلاد بقبضة أمنية، فإنها لا توفر حياة كريمة للمواطن، في الوقت الذي تنتشر فيه الجماعات المتطرفة كالنار في الهشيم، دون تقديم أي خدمات حقيقية.
ولفت محمدي إلى أن الطرفين يشتركان في ترويج إعلامي ودعائي يقدمه كل منهما على أنه المخلص من حكم الغرب، وخصوصًا فرنسا التي هيمنت على مالي لعقود.
وبرز في هذا السياق دور زعيم جماعة نصرة الإسلام إياد أغ غالي، الذي ينتمي إلى جماعات الطوارق وساهم في التحشيد ضد فرنسا، وحول الخطاب المجتمعي إلى خطاب جهادي، ما دفع باريس للانسحاب الكامل من مالي بكل قواتها.
وأضاف أن الجماعة تستغل انهيار ما يمكن وصفه بالعقد الاجتماعي بين الدولة والمواطنين لشرعنة وجودها في الساحل الأفريقي، من مالي وصولًا إلى داكار، مستهدفة استقطاب المزيد من الشباب إلى صفوفها، والتي تقدر بالآلاف.
وأوضح أن إياد أغ غالي يستغل النزعة القبلية والأزمات العرقية في مالي لتأجيج الغضب الشعبي ضد المجلس العسكري الحاكم، مشيرًا إلى تدخل روسيا في دعم المجلس العسكري عبر عناصر مدربة من “فاغنر” لمواجهة الجماعة التي تدين بالولاء لتنظيم القاعدة.
وفي السياق ذاته، قال الباحث في الشؤون الأفريقية، فاروق أبو ضيف، لـ”داي نيوز” إن الانقسام والتوتر داخل الجيش المالي يساهمان بشكل كبير في تعزيز قدرة الجماعات المسلحة، وعلى رأسها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، على التحرك بحرية وفرض نفوذها.
وأضاف أبو ضيف أن تعاقب الانقلابات العسكرية منذ 2012 أضعف تماسك المؤسسة العسكرية، وأفقدها الاستقرار القيادي والعقائدي، وحول تركيزها من بناء قدرات مهنية طويلة الأمد إلى صراعات داخلية على السلطة.
وأوضح أبو ضيف أن هذا التشرذم انعكس في ضعف التنسيق العملياتي، وتراجع الثقة بين الوحدات، والاعتماد المتزايد على ميليشيات محلية مثل “الدوزو”، التي غالبًا ما تؤدي أفعالها إلى تأجيج العنف بدل احتوائه.
كما أشار إلى أن إخفاق الجيش، رغم دعم مرتزقة أجانب، في تأمين الطرق الحيوية ومراكز الإمداد، سمح للجماعات المسلحة بفرض حصار فعلي على العاصمة ومناطق واسعة من البلاد.
وأضاف الباحث أن الجماعات المتطرفة تستغل هذا الفراغ الأمني والمؤسسي لتوسيع نفوذها، وتقديم نفسها كقوة بديلة قادرة على فرض الأمر الواقع، في ظل غياب دعم دولي فعال وتراجع شرعية السلطة العسكرية.
وفيما يتعلق بتقييم الأوضاع الأمنية، أوضح أبو ضيف أن مالي تشهد تدهورًا حادًا، يتمثل في اتساع رقعة العنف وتراجع سيطرة الدولة على مساحات واسعة من أراضيها، خاصة في الوسط والجنوب.
وأشار إلى أن الحصار الذي تفرضه الجماعات المسلحة على الطرق الرئيسية عطل الإمدادات الحيوية وأضعف قدرة الجيش على الانتشار الفعال، كما أسهم انسحاب القوات الدولية في خلق فراغ أمني استغلت التنظيمات المتطرفة لتعزيز حضورها وشن هجمات أكثر جرأة، ما ينذر بمخاطر إقليمية متصاعدة.
وفي ضوء استمرار الأزمة الأمنية والسياسية في مالي، قال أبو ضيف إن البلاد قد تواجه عدة سيناريوهات محتملة إذا استمر الوضع دون تدخل فعال، مشيرًا إلى أن كل منها يحمل تداعيات عميقة على الاستقرار الداخلي والإقليمي.
وأوضح أبو ضيف أن السيناريو الأول المحتمل هو انقلاب عسكري جديد، حيث قد يؤدي تفاقم الفشل الأمني والحصار الاقتصادي إلى انقلاب داخل المؤسسة العسكرية نفسها نتيجة صراع أجنحة على السلطة، ما يفاقم حالة عدم الاستقرار ويضعف قدرة الدولة على مواجهة الجماعات المسلحة.
أما السيناريو الثاني، فهو توسع سيطرة الجماعات المتطرفة، إذ أن استمرار ضعف الجيش وتآكل شرعيته قد يسمح لجماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” بتوسيع نفوذها جغرافيًا ومؤسسيًا، وفرض أمر واقع أمني يهدد العاصمة ويحول مالي إلى ملاذ جهادي إقليمي.
وفي المقابل، قد يشهد السيناريو الثالث انهيار تحالف دول الساحل الثلاث، إذ أن سقوط باماكو أو إضعافها قد يؤدي إلى تفكك تحالف مالي وبوركينا فاسو والنيجر، مع تراجع التنسيق الأمني وانكشاف هذه الدول أمام تمدد الجماعات المتطرفة وتراجع النفوذ الروسي.
أما السيناريو الرابع والأخير، فهو تدخل إقليمي مشروط، حيث قد يظهر تدخل من الإيكواس أو تعاون أمني انتقائي مع شركاء إقليميين ودوليين، لكنه سيظل محدود الفاعلية ما لم يدعم بإصلاح سياسي وأمني داخلي شامل.



