«أمّ الاتفاقيات»… اتفاقية تاريخية بين الهند والاتحاد الأوروبي تعيد رسم خريطة التجارة العالمية
مريم حسن

أعلنت الهند والاتحاد الأوروبي إبرام أكبر اتفاقية تجارة حرة في تاريخ الطرفين، في خطوة وُصفت دولياً بأنها «أمّ الاتفاقيات»، نظراً لضخامتها وتأثيرها المتوقع على الاقتصاد العالمي، إذ تمثل نحو ربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتربط سوقاً تضم ما يقرب من ملياري مستهلك.
وجرى الإعلان عن الاتفاق خلال زيارة رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى الهند، حيث عقدا قمة مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، الذي أكد أن الاتفاقية ستفتح آفاقاً اقتصادية واستثمارية واسعة للهند وأوروبا على حد سواء.
خفض واسع للرسوم الجمركية
وبموجب الاتفاقية، سيجري إلغاء أو خفض الرسوم الجمركية على نحو 96.6% من صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الهند، ما يحقق وفورات سنوية تُقدّر بنحو 4 مليارات يورو للشركات الأوروبية.
وفي المقابل، ستحصل الصادرات الهندية على وصول تفضيلي إلى 97% من بنود التعريفة الجمركية في أسواق الاتحاد الأوروبي، بما يغطي 99.5% من إجمالي قيمة التبادل التجاري بين الجانبين.
ومن المنتظر أن يبدأ تطبيق الاتفاقية مطلع عام 2027 بعد استكمال الموافقات القانونية والتنظيمية، حيث سيُلغى فوراً الرسم الجمركي على 70.4% من بنود التعريفة التي تمثل 90.7% من صادرات الهند.
قطاعات مستفيدة في الهند
تشمل القطاعات الهندية المستفيدة فور دخول الاتفاق حيز التنفيذ الصناعات كثيفة العمالة، مثل المنسوجات والملابس الجاهزة والجلود والأحذية والمنتجات البحرية والكيماويات والبلاستيك والمطاط والسلع الرياضية والألعاب والأحجار الكريمة والمجوهرات، وهي قطاعات تتجاوز صادراتها الحالية 33 مليار دولار، وكانت تخضع لرسوم تتراوح بين 4% و26%.
كما تنص الاتفاقية على الوصول التدريجي إلى الرسوم الصفرية خلال سبع سنوات لنحو 93% من السلع الهندية، مع تخفيضات جزئية أو نظام حصص لبعض المنتجات الحساسة، بينما أبقت الهند قطاعي السيارات والزراعة خارج الإلغاء الكامل للرسوم.
تسهيلات للمصدرين الأوروبيين
في المقابل، قدمت الهند تنازلات جمركية واسعة لصادرات الاتحاد الأوروبي، إذ وافقت على فتح 92.1% من خطوط التعريفة التي تغطي 97.5% من صادرات الاتحاد. وسيتم الإلغاء الفوري للرسوم على نحو نصف هذه البنود، بينما تُخفض تدريجياً بقية الرسوم خلال فترات تمتد إلى 10 سنوات.
وتشمل مزايا الاتفاق للمصدرين الأوروبيين تسهيل الإجراءات الجمركية، وحماية الملكية الفكرية، ومنح مزايا خاصة للشركات الصغيرة والمتوسطة، إضافة إلى فتح السوق الهندية أمام مقدمي الخدمات الأوروبيين في مجالات رئيسية مثل الخدمات المالية والنقل البحري.
سلع ستصبح أرخص في الهند
من المتوقع أن تؤدي الاتفاقية إلى انخفاض تدريجي في أسعار عدد من السلع الأوروبية في السوق الهندية، من بينها السيارات، حيث ستنخفض الرسوم من 110% إلى نحو 10%، إضافة إلى النبيذ الذي ستتراجع رسومه من 150% إلى 20%، فضلاً عن إلغاء الرسوم بالكامل على الأغذية المصنعة مثل الشوكولاتة والمعكرونة.
بعد سياسي واستراتيجي
وتأتي الاتفاقية في توقيت حساس دولياً، إذ تُنظر إليها بوصفها توازناً استراتيجياً في مواجهة السياسات التجارية الحمائية التي تبنتها الولايات المتحدة خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب، والتي فرضت رسوماً مرتفعة على صادرات الهند والاتحاد الأوروبي، خاصة على خلفية تجارة النفط الهندية مع روسيا.
وأكد رئيس الوزراء مودي أن الاتفاقية تعكس شراكة بين اقتصادين كبيرين يقومان على قيم الديمقراطية وسيادة القانون، مشيراً إلى أنها ستعزز فرص العمل وتزيد من اندماج الهند في سلاسل القيمة العالمية.
من جانبها، وصفت رئيسة المفوضية الأوروبية الاتفاق بأنه لحظة تاريخية، مؤكدة أن إنشاء منطقة تجارة حرة بهذا الحجم ليس سوى بداية لتعميق الشراكة الاستراتيجية بين الهند والاتحاد الأوروبي في السنوات المقبلة.



