تقارير

ماذا بعد رفع الحماية الأمريكية المؤقتة عن اليمنيين؟

كتبت: هدير البحيري

في خطوة تعكس تحولًا واضحًا في مقاربة واشنطن لملف الهجرة واللجوء، وجهت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضربة جديدة لبرنامج “الحماية المؤقتة” الذي لطالما شكل مظلة إنسانية لآلاف المهاجرين من دول تعصف بها الحروب والأزمات.

ولم يأت قرار إنهاء وضع الحماية المؤقتة لليمنيين، بعد عقد كامل من العمل به،  بمعزل عن سياق سياسي أوسع، بل كحلقة جديدة في سلسلة إجراءات تهدف إلى إعادة رسم سياسة الهجرة الأمريكية وفق اعتبارات “الأمن القومي” و”المصلحة الوطنية” كما تراها الإدارة الحالية.

وبينما تستعد الجالية اليمنية في الولايات المتحدة لمواجهة تداعيات القرار، تتصاعد الأسئلة حول توقيته، ودوافعه، ورسائله السياسية داخليًا وخارجيًا.

فقد أعلنت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية إنهاء وضع “الحماية المؤقتة” الممنوح لليمنيين، وهو القرار الذي سيؤثر على أكثر من 1400 شخص عاشوا في الولايات المتحدة طوال السنوات العشر الماضية تحت مظلة هذا البرنامج.

وبررت الوزارة قرارها بأن “الأوضاع في اليمن قد تحسنت ولم تعد تشكل تهديدًا خطيرًا لسلامة العائدين”، وهو تبرير أثار جدلًا واسعًا بالنظر إلى استمرار التحذيرات الرسمية الأمريكية من السفر إلى اليمن بسبب الإرهاب والاضطرابات والمخاطر الأمنية.

يمثل القرار تحولاً جذرياً في السياسة الأمريكية تجاه ملف الحماية المؤقتة، إذ تسعى إدارة ترامب إلى تقليص نطاق البرنامج وإنهاء تسجيلات العديد من الجنسيات التي استفادت منه لسنوات طويلة.

ويأتي اليمن ضمن قائمة دول فقدت هذا الوضع مؤخرًا، إلى جانب فنزويلا، وهايتي، وهندوراس، وسوريا، وأفغانستان، وغيرها، في إطار توجه عام لإعادة ضبط سياسة الهجرة بما يتوافق مع رؤية البيت الأبيض الحالية.

وتشير وزارة الأمن الداخلي إلى أن أمام اليمنيين الذين لا يمتلكون أساسًا قانونيًا آخر للبقاء في الولايات المتحدة مهلة 60 يوماً للمغادرة، تحت طائلة التوقيف والترحيل.

وفي المقابل، تعرض الوزارة “مغادرة طوعية” تتضمن تذكرة سفر مجانية ومكافأة مالية قدرها 2600 دولار، في محاولة لتخفيف حدة الانتقادات الموجهة للقرار.

من الناحية السياسية، يعد هذا الإجراء خطوة واضحة لإلغاء التوسعات التي أجرتها إدارة الرئيس السابق جو بايدن على برنامج الحماية المؤقتة، والتي سمحت لأكثر من مليون شخص بالاستفادة منه.

ويعكس القرار رغبة إدارة ترامب في إعادة صياغة هذا البرنامج ليعود إلى نطاقه الأصلي، أي كإجراء مؤقت لا يتحول إلى إقامة طويلة الأمد.

أما على المستوى الإنساني، فيثير القرار مخاوف كبيرة بشأن مصير اليمنيين الذين سيجبرون على العودة إلى بلد لا يزال يعاني من صراع مسلح، وانهيار اقتصادي، وتدهور في الخدمات الأساسية.

ويأتي هذا التطور في وقت تحاول فيه الولايات المتحدة إعادة صياغة سياستها تجاه الشرق الأوسط، بما في ذلك اليمن، حيث تتداخل الحسابات الأمنية مع الاعتبارات السياسية والإنسانية. كما يطرح القرار تساؤلات حول تأثيره على العلاقات الأمريكية مع شركائها الإقليميين، خصوصًا في ظل استمرار الجهود الدولية لإيجاد تسوية سياسية للنزاع اليمني.

وقال الدكتور حسام البقيعي، مدير وحدة الدراسات الدولية بمركز رع للدراسات الاستراتيجية لـ”داي نيوز” إن عودة الرئيس الأمريكي ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025 تبعتها سلسلة من الإجراءات المشددة ضد المهاجرين المقيمين في الولايات المتحدة.

وأوضح البقيعي أن هذه الإجراءات شملت تقليص مدة بعض تأشيرات الدخول، وتشديد شروط منحها، وإنهاء برنامج الحماية المؤقتة لعدد من الدول، إلى جانب توسيع نشاط وكالة الهجرة واستخدام الحرس الوطني في عمليات الترحيل.

وأضاف البقيعي أن هذه السياسات تنطلق من رؤية تربط بين الهجرة غير النظامية وانتشار المخدرات والجريمة المنظمة داخل المجتمع الأمريكي، وهي رؤية تتبناها إدارة ترامب ضمن خطابها السياسي الداخلي.

وأشار إلى أن تلك الإجراءات أثارت انتقادات واسعة داخل الولايات المتحدة، كما واجهت طعونًا ونزاعات قانونية أمام المحاكم بدعوى مخالفتها للقانون والدستور.

واعتبر أن هذه السياسات تؤثر سلبًا على صورة الولايات المتحدة كدولة تطرح نفسها حامية لحقوق الإنسان، رغم أن نشأتها التاريخية قامت أساسًا على الهجرة.

وتابع البقيعي أن الإدارة الحالية، في ظل شعار “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”، تعطي الأولوية لما تعتبره مصلحة وطنية مباشرة، حتى وإن جاء ذلك على حساب مبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان.

ولفت إلى أن هذا التوجه يظهر أيضًا في مواقف خارجية، من بينها دعم العمليات العسكرية الإسرائيلية، فضلًا عن تشدد أكبر في التعامل مع قضايا داخلية.

وأوضح البقيعي أن قرار إنهاء الحماية المؤقتة لليمنيين قد يؤدي إلى زيادة أعداد اللاجئين في المنطقة العربية، في ظل استمرار الأوضاع غير المستقرة في عدد من دول الإقليم.

ويرى البقيعي أن إلغاء البرنامج يحمل رسائل سياسية واضحة، أبرزها إعادة تعريف “المصلحة الوطنية الأمريكية” وفق منظور الإدارة الحالية، التي ترى أن الأسباب التي أُنشئ من أجلها البرنامج لم تعد قائمة، رغم استمرار تحذيرات السفر الصادرة عن الجهات الرسمية الأمريكية.

وأضاف البقيعي أن التحول في سياسة الهجرة يعكس مزيجًا من “الترغيب” عبر عروض المغادرة الطوعية، و”الإكراه” من خلال التهديد بالترحيل، وهو ما يفتح بابًا لجدل اقتصادي واجتماعي وقانوني داخل الولايات المتحدة، فضلًا عن تأثيره على اللوبيات والجاليات المرتبطة بهذه الدول.

وختم البقيعي بالإشارة إلى أن هذا المسار يعكس توجهًا أوسع لإعادة صياغة دور الولايات المتحدة في النظام الدولي، من خلال تقليل الاعتماد على الأطر متعددة الأطراف، مثل الأمم المتحدة، وتفضيل النهج الثنائي المباشر في العلاقات الدولية.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى