مقالات

المفاوضات الإيرانية-الأمريكية المرتقبة؛ ما بين الحسابات الأمريكية وخطوط إيران الحمراء

بقلم: محمد عبدالسلام، الباحث في الشؤون الإيرانية

تُشكّل المفاوضات الإيرانية-الأمريكية المرتقبة في جنيف، الثلاثاء 17 فبراير 2026؛ نقطة تحول حاسمة، في وقتٍ تتصادم فيه الحسابات الاستراتيجية لواشنطن مع خطوط إيران الحمراء غير القابلة للتنازل.

وتأتي هذه الجولة بعد “بداية إيجابية” بمسقط في السادس من فبراير الماضي، وسط ضغط عسكري أمريكي بإعلانها إرسال حاملة الطائرات “يو إس إس جيرالد فورد” على رأس مجموعة قتالية للانضمام إلى حاملة الطائرات “يو إس إس أبراهام لينكولن”؛ ما أثار تساؤلات واسعة حول ما إذا كان هذا التحرك يندرج ضمن سياسة الضغط على إيران لانتزاع تنازلات خلال المفاوضات الجارية، أو تمهيد لضربة وشيكة

*الحسابات الأمريكية وخطوط إيران الحمراء*

هناك تصادم واضح بين الحسابات الأمريكية وخطوط إيران الحمراء. ففي الوقع، ملف إيران النووي ليس جوهر القضية، إنه مجرد مؤشر على خلافات أعمق تتمركز حول دور إيران بالمنطقة وإلى أي مدى يُسمح لها بالقوة في المعادلات الإقليمية، وحول برنامج الصواريخ.

على الجانب الآخر، فالمنطقة ذات أهمية كبيرة جدًا بالنسبة لإيران، والصواريخ هي عمود الردع الإيراني في المنطقة، فهي أداة دفاعية أظهرت التجربة التاريخية أن بدونها لا تفاوض ولا اتفاق يمكن أن يضمن أمن البلاد الحقيقي.

إن المفاوضات غير المباشرة بين إيران وأمريكا، سواء عبر عُمان أو عبر أي قنوات أخرى؛ تهدف للحيلولة دون خروج الوضع عن السيطرة أكثر مما هي للوصول إلى اتفاق نهائي؛ فلا الولايات المتحدة تريد تحول الأزمة إلى حرب إقليمية، ولا إيران تريد الدخول في حرب لا تحدد توقيتها وشكلها بنفسها؛ ومع ذلك، هذا الوضع المنضبط هش للغاية، فأي حادث في المنطقة يمكن أن يقلب المعادلة.

تدرك واشنطن أن الهجوم على إيران ليس كالهجوم على العراق أو حتى أفغانستان، فالأمر هنا لا يتعلق بدولة واحدة، بل يتعلق بشبكة من اللاعبين والجبهات والنقاط الحساسة المترابطة مع بعضها البعض؛ من الخليج إلى المتوسط، من الطاقة والممرات الحيوية إلى أمن إسرائيل.

تدرك إيران هذه الحقيقة بوضوح؛ فاستراتيجيتها ليست مبنية على الحرب المباشرة، بل على رفع تكلفة اتخاذ القرار لأمريكا. أي جعل كل خيار- غير المفاوضات الطويلة والمنضبطة- مكلفًا وخطرًا وغير متوقع. هذه هي النقطة التي تبقي أمريكا في حيرة.

لهذا السبب دخل التصادم بين إيران وأمريكا مرحلة “لا حرب ولا اتفاق”. وضع يستمر فيه الضغط، لكن بدون انفجار. العقوبات موجودة، التهديدات موجودة، عروض القوة موجودة، لكن القرار النهائي يؤجل باستمرار. هذا التعليق ليس صدفة. إنه نتاج توازن غير مستقر.

أمريكا من جهة قلقة من أن التراجع المفرط يعني قبول قوة إقليمية مستقلة، وهو شيء غير متوافق مع منطق النظام الأمريكي في الشرق الأوسط. ومن جهة أخرى، تدرك أن الحرب الإقليمية يمكن أن تهز ذلك النظام الذي تريد الحفاظ عليه. حرب كما قال عنها المرشد الإيراني، علي خامنئي، بأنها “لن تبقى محدودة، بل ستؤدي إلى إشعال حرب إقليمية واسعة” وقد تتحول إلى كابوس لواشنطن.

هناك متغير واحد قد يقلب هذه المعادلة، وهو إسرائيل؛ فإذا نجحت تل أبيب في دفع أمريكا نحو تصادم مباشر، فحينها قد يخرج الوضع عن سيطرة العقلانية الاستراتيجية، وتدخل المنطقة مرحلة لم تعد تابعة لحسابات التكلفة والفائدة.

إن النتيجة النهائية واضحة؛ إما اتفاق محدود ومنضبط قد ينتج عنه خفض للتوتر وإدارة للأزمة، أو أزمة غير منضبطة لا يملك أحد القدرة على إدارتها، وقد تنتج عنها صراعات نيابية وحرب إقليمية خارج السيطرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى