تقارير

السيادة الرقمية تحت الاختبار: كيف غيّر «ستارلينك» معادلة الاتصال في إيران؟

في عصرٍ لم تعد فيه السيادة تُقاس فقط بحدود الجغرافيا، بات الفضاء الرقمي ساحة صراع موازية لا تقل أهمية عن الأرض. فالدول اليوم لا تواجه تحديات عسكرية أو سياسية فحسب، بل تواجه سؤالًا أكثر تعقيدًا: من يملك السيطرة على تدفّق المعلومات؟ ومن يستطيع كسر هذه السيطرة؟

في الحالة الإيرانية، برز هذا السؤال بوضوح مع تنامي استخدام الإنترنت الفضائي، وعلى رأسه منظومة «ستارلينك»، التي أعادت تشكيل معادلة الرقابة والاتصال، وفتحت نقاشًا واسعًا حول مستقبل السيادة الرقمية.

من الإغلاق الشامل إلى كسر العزلة الرقمية

خلال موجات الاحتجاج التي شهدتها إيران في عامي 2025 و2026، لجأت السلطات إلى تشديد قبضتها على الفضاء الإلكتروني عبر قطع أو تقييد خدمات الإنترنت بشكل شبه كامل.

هذا الأسلوب، الذي اعتمدته طهران مرارًا في فترات الاضطراب، كان يهدف إلى عزل الشارع عن العالم الخارجي ومنع تداول الصور والمعلومات.

لكن هذه المرة، لم يكن المشهد كما في السابق. فقد تزامن الإغلاق مع انتشار متزايد لخدمات الإنترنت الفضائي، التي لا تعتمد على البنية التحتية الأرضية الخاضعة لسيطرة الدولة. وهنا ظهر «ستارلينك» كعامل جديد قلب موازين الرقابة التقليدية، وقلّل من فعالية الإغلاق الشامل.

على عكس شبكات الإنترنت المحلية، لا يحتاج الاتصال عبر «ستارلينك» إلى كابلات أو بوابات دولية أو شركات اتصالات محلية، بل يكتفي بجهاز استقبال صغير يربط المستخدم مباشرة بالأقمار الصناعية، متجاوزًا كل نقاط التحكم التي تعتمد عليها الدولة.

انتشار غير رسمي وحاجة متزايدة

رغم القيود القانونية والتجريم الرسمي، بدأت أجهزة «ستارلينك» بالوصول إلى الداخل الإيراني عبر طرق غير نظامية، مستفيدة من شبكات تهريب وتجارات غير رسمية. ومع تصاعد الاحتجاجات، ازداد الطلب على هذه الأجهزة، على الرغم من ارتفاع تكلفتها مقارنة بمستوى الدخل المحلي.

هذا الانتشار لم يكن مجرد رفاهية تقنية، بل استجابة لحاجة ملحّة لكسر العزلة الرقمية. فمع عودة الاتصال، خرجت تسجيلات مصورة وشهادات حية من داخل المدن الإيرانية، ما ساهم في تغيير طبيعة التغطية الإعلامية للأحداث، وأضعف احتكار الرواية الرسمية.

تفكيك منطق الرقابة بدلًا من كسرها

ما حدث لم يكن مجرد تجاوز تقني للرقابة، بل إعادة تشكيل لمنطق السيطرة نفسه. فالرقابة الإيرانية تقوم على مركزية شديدة، حيث يمكن التحكم في عدد محدود من النقاط الحيوية.

أما الإنترنت الفضائي، فيعتمد على شبكة لامركزية واسعة، تجعل عملية الرصد أو التعطيل الكامل شبه مستحيلة.

وبدلًا من نقطة تحكم واحدة، ظهرت آلاف النقاط الصغيرة المنتشرة، وهو ما حوّل نقاط القوة في النظام الرقابي إلى نقاط ضعف. هذه المفارقة كشفت حدود النموذج التقليدي للسيادة الرقمية، وأظهرت أن السيطرة القانونية والأمنية لا تكفي وحدها في مواجهة التكنولوجيا العابرة للحدود.

محاولات المواجهة وحدودها

في مواجهة هذا التحدي، لجأت السلطات إلى وسائل تقنية متقدمة، من بينها التشويش على إشارات الملاحة والتلاعب بالمواقع الجغرافية للأجهزة، في محاولة لإرباك الاتصال الفضائي. ورغم نجاح هذه الإجراءات جزئيًا في بعض المناطق، فإنها لم تتمكن من إنهاء الخدمة بالكامل.

الصراع هنا لم يعد تقنيًا بحتًا، بل أصبح صراع نماذج: نموذج الدولة ذات السيطرة المركزية، في مقابل نموذج الشبكات المفتوحة واللامركزية التي يصعب إخضاعها.

الدولة في مواجهة الشركات العابرة للحدود

أحد أكثر أبعاد القضية حساسية يتمثل في أن «ستارلينك» ليس مشروعًا حكوميًا، بل مملوك لشركة خاصة عابرة للحدود. هذا الواقع يطرح إشكاليات قانونية وسياسية غير مسبوقة، حيث باتت شركة تكنولوجية تمتلك بنية تحتية قادرة على التأثير في الأمن والسياسة داخل دول ذات سيادة.

ردّ الفعل الرسمي الإيراني جاء سريعًا، عبر تجريم استخدام الخدمة واعتبارها تهديدًا للأمن القومي. في المقابل، يرى مستخدموها أنها وسيلة اتصال مشروعة وحق أساسي للوصول إلى المعلومات، ما يعكس فجوة عميقة بين مفهوم الدولة للسيادة، ومفهوم الأفراد للحرية الرقمية.

سيادة جديدة أم فقدان للسيطرة؟

تجربة «ستارلينك» في إيران تتجاوز كونها حدثًا تقنيًا أو سياسيًا عابرًا، لتكشف عن تحوّل أعمق في مفهوم السيادة نفسه. فالدولة التي تسيطر على الأرض والقانون، قد تجد نفسها عاجزة أمام فضاء رقمي لا يعترف بالحدود.

بين هواجس فقدان السيطرة، ورغبة الأفراد في كسر العزلة، تقف إيران كنموذج مكثف لصراع عالمي آخذ في الاتساع. صراع بين الدولة والشبكات، وبين الأمن والحرية، وبين السيادة التقليدية والعولمة الرقمية.

وفي هذا المشهد المتغير، يبدو أن مفهوم السيادة لم يعد ثابتًا كما كان، بل بات فكرة متحركة يعاد تعريفها مع كل قمر صناعي جديد يضيء سماء العالم.

Mariam Hassan

مريم حسن كاتبة وصحفية متخصصة في الشأن الهندي ـ الباكستاني و جنوب شرق آسيا خبرة سنتين في مجال العمل الصحفي والإعلامي. أماكن العمل : داي نيوز الإخباري. أعمل على ترجمة وتحرير الأخبار والتقارير الصحفية المتنوعة. تحليل و دراسة التحولات السياسية والتهديدات الأمنية في آسيا وانعكاساتها على الأمن القومي المصري والعربي. متابعة التطورات الاقتصادية والتكنولوجية، وتحليل سياسات القوى الإقليمية وأنماط التحالفات بين جنوب آسيا والشرق الأوسط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى