الأكبر في العالم.. ما هي اتفاقية التجارة الحرة بين الهند والاتحاد الأوروبي؟

كتبت: سارة محمود
يمثل اجتماع القمة الذي عُقد اليوم بالهند تتويجًا لمسيرة امتدت 18 عامًا، حيث أبرمت الهند والاتحاد الأوروبي رسميًا اتفاقية التجارة الحرة. وقد أشاد رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، الذي استضاف رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، بالاتفاقية واصفًا إياها بأنها “مثالٌ يُحتذى به للشراكة” بين عملاقين عالميين. ومن خلال إلغاء الرسوم الجمركية على 97% من السلع، ستُعطي الاتفاقية دفعةً هائلةً للصناعات التحويلية الهندية، لا سيما في قطاعات النسيج والأحجار الكريمة والجلود، مع فتح السوق الهندية أمام السيارات والآلات الأوروبية. ويتوقع القادة أن يُسهم ذلك في خلق سوق ضخمة تضم نحو ملياري مستهلك.
نظام دولي قائم على القواعد
ولم يقتصر البعد الاستراتيجي للاجتماع على التجارة فحسب، فمع توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية للأمن والدفاع، التزمت الهند والاتحاد الأوروبي بحماية “النظام الدولي القائم على القواعد”.
وتأتي هذه الاتفاقية في أعقاب المشاركة التاريخية لأفراد البحرية الأوروبية في عرض يوم الجمهورية الهندية، وتركز على التحديات المشتركة مثل الأمن البحري ومكافحة الإرهاب، مسلطة الضوء على دور الاتفاقية في تمكين الشركات الهندية من المشاركة في برامج الدفاع الأوروبية.
تعد هذه الشراكة بمثابة درع واقٍ في وجه عدم الاستقرار الاقتصادي والجيوسياسي العالمي. ومن خلال استكمال الاتفاقيات القائمة مع المملكة المتحدة ورابطة التجارة الحرة الأوروبية، تضمن هذه الاتفاقية بقاء الهند ركيزة أساسية للاقتصاد العالمي، بما يُسهم في ازدهار 1.4 مليار هندي وملايين آخرين في جميع أنحاء أوروبا.
قال السيد أنطونيو كوستا، رئيس المجلس الأوروبي: “تُعدّ الهند شريكًا أساسيًا للاتحاد الأوروبي. فنحن نتشارك القدرة والمسؤولية لحماية النظام الدولي القائم على القواعد”.
كما أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، أن الهند والاتحاد الأوروبي يمنحان العالم المنقسم خيارًا بديلًا، لأن هذه القمة جائت وسط توترات غير مسبوقة عبر الأطلسي بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بشأن القضايا الإقليمية والتجارية.
وقالت فون دير لاين في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي: “لقد اتخذت الهند وأوروبا خيارًا واضحًا… الشراكة الاستراتيجية والحوار والانفتاح”. وأضافت: “نُظهر للعالم المُنقسم أن هناك طريقًا آخر ممكنًا”.
وصلت السيدة فون دير لاين إلى دلهي يوم السبت (24 يناير 2026)، بعد أسبوعٍ حافلٍ بالتوترات في مؤتمر المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، حيث تبادل العديد من القادة الأوروبيين الاتهامات مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن مزاعمه حول غرينلاند وتهديداته بفرض تعريفات جمركية. وقبل ذلك، كانت قيادة الاتحاد الأوروبي في باراغواي لتوقيع اتفاقية تجارة حرة رئيسية بين الاتحاد الأوروبي وميركوسور، وهي اتفاقية بين دول أوروبية ودول أمريكا الجنوبية.
إقرأ أيضاً: «أمّ الاتفاقيات»… اتفاقية تاريخية بين الهند والاتحاد الأوروبي تعيد رسم خريطة التجارة العالمية
إجبار ترامب على تخفيض تعريفاته بعد القمة
وبالحديث عن تعريفات ترامب أوضح المحلل والباحث في الشؤون الاستراتيجية والجيوسياسية، محمد ريحان رجبوت، أنها ستبقى دون تغيير. تعمل اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند بشكل مستقل عن السياسة الأمريكية؛ إذ تستمر تعريفات الرئيس ترامب التي تتراوح بين ٢٥ و٦٠٪ على الصلب والأدوية وخدمات تكنولوجيا المعلومات الهندية، والتي فرضها بعد تنصيبه، في إطار سياسته الحمائية “أمريكا أولاً”. وبينما يعزز اتفاق الاتحاد الأوروبي النفوذ الثنائي للهند من خلال إطار عمل iCET ويقلل اعتمادها على الصادرات الأمريكية (٢٥٪ حاليًا)، فإنه لن يُلزمها بتخفيض التعريفات، إذ يُعطي ترامب الأولوية لمفاوضات المعاملة بالمثل المباشرة. وتضع الهند اتفاق الاتحاد الأوروبي استراتيجيًا إلى جانب اتفاقيات اليابان/آسيان كثقل موازن، محافظةً على ممرات دفاعية/تكنولوجية أمريكية قوية دون تقديم تنازلات تجارية.
وقع القمة على الموطنين
وأضاف المحلل في حديث خاص لـ”داي نيوز” أن قمة الاتحاد الأوروبي والهند في يناير 2026 أسفرت عن اتفاقية تجارة حرة مؤقتة تاريخية تغطي السلع والخدمات والاستثمارات والاستدامة، ومن المتوقع التصديق عليها بالكامل بحلول عام 2027. وتستفيد الهند بشكل كبير من خلال إلغاء 90% من الرسوم الجمركية على صادرات المنسوجات والأدوية والأحجار الكريمة والمجوهرات والجلود – التي تزيد قيمتها عن 40 مليار دولار أمريكي سنويًا – إلى جانب إعفاء أرز بسمتي والمانجو من الرسوم الجمركية.
إقرأ أيضاً: سفير الهند بالقاهرة يحتفل بعيد الجمهورية الهنديه: اليوم لحظة تجسد الفخر
كما تضمن قطاعات تكنولوجيا المعلومات وإدارة العمليات التجارية والخدمات المهنية الهندية دخولًا تفضيليًا إلى سوق الاتحاد الأوروبي، مع توقعات بتحقيق مكاسب سنوية بقيمة 25 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2030، في حين يلتزم الاتحاد الأوروبي بتقديم 100 مليار يورو على مدى خمس سنوات لقطاعات الطاقة المتجددة وأشباه الموصلات والسيارات الكهربائية في الهند. وتشمل المكاسب الاستراتيجية إعفاءات من آلية تعديل الكربون الحدودية للصلب والألومنيوم الهندي المتوافق مع هذه الآلية، بالإضافة إلى التعاون في مجال تكنولوجيا الدفاع في إطار شراكة GEIUS.
ويرى رجبوت أنه يمكن لهذه الاتفاقية أن تخفض عجز الهند التجاري مع الاتحاد الأوروبي إلى النصف، والذي يبلغ 20 مليار دولار أمريكي، وأن تزيد صادراتها بنسبة 30% خلال 3سنوات، مما يُسهم بشكل كبير في تنويع سلاسل التوريد وتقليل الاعتماد على الصين.



