تركيا على حافة البركان: كيف تناور أنقرة بين تصعيد واشنطن وفوضى طهران؟

كتبت: هدير البحيري
في ظل تصعيد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، تجد تركيا نفسها أمام معادلة معقدة تتقاطع فيها الجغرافيا مع السياسة، وتتشابك فيها حسابات الأمن القومي مع التزاماتها الدولية. فالتوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران يضع أنقرة في موقع بالغ الحساسية، ويدفعها إلى تبني خطاب حذر يوازن بين عضويتها في حلف شمال الأطلسي من جهة، وعلاقتها التاريخية والجغرافية مع إيران من جهة أخرى.
وتدرك أنقرة أن أي انفجار شامل على حدودها الشرقية قد يفتح الباب أمام موجات نزوح جديدة واضطرابات اقتصادية وأمنية واسعة، وهو سيناريو تسعى بكل قوة إلى تجنبه.
وتعكس المواقف الرسمية التركية حرصًا واضحًا على تجنب أي مواجهة عسكرية في المنطقة، إذ تشدد أنقرة على أن استخدام القوة ضد إيران ليس خيارًا مقبولًا، وأن المسار الدبلوماسي هو الطريق الوحيد لاحتواء التوتر.
وترى تركيا أن المنطقة مثقلة بإرث طويل من الأزمات المتراكمة، وأن أي شرارة جديدة قد تتحول إلى حريق يصعب السيطرة عليه.
ومن هذا المنطلق، تحافظ أنقرة على قنوات اتصال مفتوحة مع طهران، مستندة إلى علاقات تاريخية وحدود ثابتة لم تتغير منذ قرون، إضافة إلى تشابكات اجتماعية وتجارية تجعل أي اضطراب داخل إيران شأنًا يمس تركيا مباشرة.
وعلى الأرض، تواصل تركيا تعزيز حضورها الأمني على طول الحدود الممتدة 560 كيلومترًا مع إيران. فالدوريات البرية والجوية والطائرات المسيرة تعمل على مدار الساعة، بينما أعلنت وزارة الدفاع استكمال شبكة واسعة من التحصينات تشمل 203 أبراج مراقبة كهروضوئية، و43 برجًا مزودًا بمصاعد، إضافة إلى 380 كيلومترًا من الجدران الخرسانية و553 كيلومترًا من الخنادق الدفاعية.
ورغم عدم وجود مؤشرات على موجات نزوح جماعية، تؤكد أنقرة أن هذه الإجراءات تأتي ضمن خطة استعداد شاملة لأي طارئ محتمل.
وفي موازاة ذلك، تتعامل تركيا بحساسية مع الاحتجاجات التي تشهدها إيران، إذ ترفض أي تدخل خارجي في الشأن الإيراني، لكنها تعترف بوجود مطالب اقتصادية واجتماعية مشروعة تقف خلف هذه التحركات الشعبية.
وتخشى أنقرة أن تستغل أطراف خارجية – في إشارة واضحة إلى إسرائيل – هذه الاضطرابات لتأجيج الوضع الداخلي.
لذلك تشدد على أن الحل يجب أن يكون إيرانيًا خالصًا عبر إصلاحات حقيقية تستجيب لتطلعات المواطنين، بالتوازي مع اعتماد الدبلوماسية لمعالجة الملف النووي وتخفيف الضغوط الاقتصادية على طهران.
وتتزامن هذه التطورات مع احتجاجات واسعة داخل إيران، أودت بحياة آلاف الأشخاص ودفعت السلطات إلى اعتقال عشرات الآلاف.
وتشير الأرقام الرسمية إلى وفاة 3,117 شخصًا، بينهم مدنيون وعناصر من قوات الأمن، بينما تقدر منظمات حقوقية مستقلة الحصيلة بأكثر من 4,900 قتيل، مع توقعات بارتفاع العدد مع وصول معلومات جديدة.
هذه الاضطرابات الداخلية تزيد من قلق أنقرة، التي تخشى أن يؤدي تفاقم الوضع إلى تداعيات مباشرة على حدودها واستقرارها.
وتزداد معضلة أنقرة تعقيدًا عندما يتعلق الأمر بعلاقتها مع حلف الناتو، خاصة في ظل تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتوجيه ضربة عسكرية لإيران.
فتركيا تجد نفسها مطالبة بالتوفيق بين التزاماتها داخل الحلف ومصالحها كجار مباشر لإيران.
وتبرز قاعدة كورجيك الرادارية في ملاطيا كأحد أبرز نقاط التوتر، إذ تضم رادارًا متطورًا تابعًا للناتو، ما جعلها هدفًا محتملًا للتهديدات الإيرانية خلال تصعيد صيف 2025، حين أعلنت طهران أنها ستعتبر القاعدة هدفًا مشروعًا إذا استخدمت بياناتها في أي هجوم أمريكي.
وتعرضت تركيا لاختبار صعب عندما شنت الولايات المتحدة ضربات جوية على منشآت تخصيب اليورانيوم في فوردو ونطنز وأصفهان.
فقد سارعت أنقرة إلى إدانة الهجمات، محذرة من سيناريو كارثي قد يدفع المنطقة نحو مواجهة واسعة.
ورغم حرصها على عدم الإضرار بعلاقتها مع واشنطن، اعتبرت تركيا أن الضربات تمثل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، سواء من ناحية احتمال التسرب الإشعاعي أو من ناحية مخاطر النزوح وانهيار التجارة.
وفي بيان شديد اللهجة، أكدت الخارجية التركية أن هذه التطورات رفعت مستوى المخاطر الإقليمية إلى أعلى درجاتها، داعية الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل إلى وقف التصعيد فورًا والتصرف بمسؤولية.
وفي السياق ذاته، قال الخبير في الشؤون التركية وشؤون الشرق الأوسط، شعبان عبدالفتاح، في حديث خاص لـ”داي نيوز” إن تقييم أنقرة لطبيعة التهديد الإيراني ينطلق من زاوية الاستقرار لا من زاوية القوة، موضحًا أن إيران الفوضوية وغير المستقرة تمثل الخطر الأكبر على الأمن القومي التركي، وليس إيران القوية والمنظمة.
وأشار إلى أن الدولة الإيرانية المستقرة، حتى وإن كانت خصمًا إقليميًا، تظل كيانًا يمكن احتواؤه عبر التوازنات الإقليمية وقنوات الاتصال المفتوحة، بينما يفتح سيناريو الفوضى الباب أمام تفكك مؤسسات الدولة، وصعود الفاعلين من غير الدول، وانتشار الجماعات العابرة للحدود.
وأضاف عبدالفتاح أن هذا السيناريو ينعكس مباشرة على شرق تركيا وجنوبها الشرقي، سواء من خلال موجات لجوء جديدة، أو تنشيط شبكات التهريب، أو إعادة تنشيط بيئات عدم الاستقرار المرتبطة بالمسألة الكردية، مؤكدًا أن أنقرة ترى في انهيار إيران أو إضعافها الحاد خطرًا أكبر من بقائها قوية ولكن منضبطة.
وفي ما يتعلق بالموقف التركي من الضربة الأمريكية المحتملة، أوضح الخبير في الشؤون التركية أن عدم معارضة أنقرة العلنية لا يعني قبولها الكامل، بل يعكس براجماتية محسوبة.
فتركيا، بحسب قوله، لا ترغب في الدخول في مواجهة سياسية مباشرة مع واشنطن، لكنها في الوقت ذاته تعتبر أن التوقيت غير مناسب، في ظل بيئة إقليمية شديدة التعقيد، تمتد أزماتها من أوكرانيا إلى غزة وسوريا.
وأكد الخبير في الشؤون التركية أن أنقرة تفضل إدارة الأزمات لا تفجيرها، معتبرًا أن أي ضربة سريعة قد تخلط الأوراق وتنتج تداعيات يصعب السيطرة عليها، وهو ما يتناقض مع الرؤية التركية القائمة على الاحتواء التدريجي بدل الصدمات المفاجئة.
وحول المكاسب التي تحققها تركيا من تأجيل الضربة، أوضح عبدالفتاح أن هذا التأجيل يمنح أنقرة هامشًا زمنيًا مهمًا لتعزيز جاهزيتها الأمنية داخليًا، لا سيما على الحدود الشرقية، فضلًا عن تخفيف الضغوط الاقتصادية المحتملة الناتجة عن اضطراب أسواق الطاقة أو حركة التجارة.
إقليميًا، يتيح التأجيل لتركيا الحفاظ على موقعها كفاعل توازني لا كطرف منخرط في الاستقطاب، كما يساعدها على صون مساراتها الاقتصادية مع كل من إيران والعراق، وتفادي انتقال موجات عدم الاستقرار إلى الساحة السورية، حيث تمتلك أنقرة مصالح أمنية مباشرة.
أما على المستوى الاستراتيجي، فشدد عبدالفتاح على أن كل يوم تأجيل يقلص هامش المفاجأة، ويعزز قدرة تركيا على استيعاب التداعيات المحتملة وإدارتها، بدل التعامل معها كأمر واقع مفروض.
وبشأن الوساطة التركية، يرى عبدالفتاح أنها ليست مجرد خطوة شكلية، بل تمثل مزيجًا بين دبلوماسية فعلية وورقة تفاوضية ذكية مع الغرب.
وأوضح الخبير أن أنقرة تنطلق في وساطتها من إدراك حقيقي لخطورة التصعيد، لكنها في الوقت ذاته تستخدم هذا الدور لتحسين موقعها التفاوضي في ملفات أخرى، من العقوبات إلى التعاون الأمني، وصولًا إلى الخلافات داخل حلف الناتو.
وأشار إلى أن الرسالة التركية تبدو واضحة في هذا الإطار، حيث تحرص أنقرة على تقديم نفسها كجزء من الحل لا المشكلة، وهو ما يوفر لها مساحة أوسع للتحرك والمناورة على أكثر من ملف.
وفي تفسيره للفجوة بين الخطاب العلني والخيارات خلف الكواليس، أكد عبدالفتاح أن هذا النمط يشكل سمة ثابتة في السياسة الخارجية التركية، موضحًا أن الخطاب العلني موجه بالأساس للرأي العام الداخلي ولترسيخ صورة الدولة المستقلة، بينما تدار القرارات الفعلية وفق حسابات دقيقة تتعلق بالأمن القومي والعلاقات الدولية.
وأشار إلى أن تركيا تبقي قنواتها مفتوحة مع طهران، وتتجنب الصدام مع واشنطن، وتحتفظ لنفسها بمساحة حركة مرنة تسمح لها بالتكيف مع تطورات المشهد.
وختم عبدالفتاح حديثه بالإشارة إلى أنه إذا نفذت الضربة الأمريكية بشكل مفاجئ، فستتحرك تركيا عبر ثلاث دوائر متوازية:
أمنيًا، من خلال تعزيز الحدود الشرقية ورفع مستوى التأهب الداخلي، ومراقبة أي ارتدادات متعلقة باللاجئين أو الجماعات المسلحة؛
سياسيًا، عبر تبني خطاب يدعو إلى التهدئة وضبط النفس، دون الانخراط المباشر في التصعيد؛
إقليميًا، من خلال العمل على منع انتقال الفوضى إلى الساحتين السورية والعراقية، وحماية مصالحها العسكرية والاقتصادية.



