تقارير

باسم السلام.. مبادرة ترامب لغزة تُقسّم العالم وتهمّش الفلسطينيين

بين ركام البيوت المدمّرة، وخيام لا تحجب قسوة البرد ولا آثار الحرب، تعيش غزة مرحلة رمادية تفصل بين نهاية مواجهة دامية وبداية مستقبل غير واضح المعالم.

في هذا المشهد المعقّد، طرحت الولايات المتحدة مبادرة جديدة أطلق عليها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اسم «مجلس السلام»، بهدف الإشراف على تنفيذ خطة السلام وإعادة إعمار القطاع، إلا أن هذه الخطوة سرعان ما تحولت إلى محور جدل عالمي وانقسام سياسي حاد.

المبادرة، التي قُدّمت باعتبارها إطارًا دوليًا لإنقاذ غزة وإدارة مرحلة ما بعد الحرب، أثارت تساؤلات عميقة حول شرعيتها، وحدود صلاحياتها، والأطراف التي ستتحكم فعليًا في مستقبل القطاع، في ظل غياب أي تمثيل فلسطيني مباشر.

صلاحيات واسعة ونفوذ أمريكي

وفق مسودة ميثاق المجلس، دعت واشنطن عشرات الدول للانضمام إلى الكيان الجديد، الذي لن يقتصر دوره على غزة فقط، بل سيمتد – بحسب الوثيقة – إلى الإشراف على حل نزاعات دولية أخرى.

وتنص المسودة على أن تكون مدة عضوية الدول ثلاث سنوات قابلة للتجديد بقرار من رئيس المجلس، وهو ما يمنح الولايات المتحدة نفوذًا كبيرًا داخل هذا الإطار، ويثير مخاوف من تحوّله إلى أداة سياسية أمريكية بغطاء دولي.

المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف أعلن أن ما بين 20 و25 دولة انضمت فعليًا إلى المجلس، بينما وافقت أكثر من 10 دول رسميًا على الانضمام كأعضاء مؤسسين، في مؤشر على نجاح واشنطن في حشد دعم لا بأس به رغم الجدل المحيط بالمبادرة.

حضور عربي لافت

الدول العربية كانت في مقدمة المنضمين، حيث أعلنت الإمارات مبكرًا تأييدها للمبادرة، ووصفتها بأنها خطوة مهمة لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة. كما رحّبت مصر بالدعوة الأمريكية، مؤكدة موافقتها على الانضمام، في إطار سعيها للبقاء طرفًا فاعلًا في إدارة الملف الفلسطيني.

المغرب بدوره أعلن قبول الدعوة، معتبرًا أن المجلس قد يتحول إلى منظمة دولية تُعنى بترسيخ الاستقرار وضمان سلام مستدام. كما انضمت السعودية والأردن وقطر وإندونيسيا والبحرين، في دعم إقليمي واسع للمبادرة.

دعم إقليمي ودولي متنوع

في تركيا، تقرر أن يمثل وزير الخارجية هاكان فيدان أنقرة داخل المجلس، بينما شهدت المبادرة توسعًا جغرافيًا ملحوظًا بانضمام دول من آسيا الوسطى وأمريكا اللاتينية، من بينها الأرجنتين وفيتنام وكازاخستان وأوزبكستان وأذربيجان وبيلاروسيا.

إسرائيل أعلنت قبولها الانضمام، معتبرة أن المجلس يضم قيادات من مختلف أنحاء العالم، في حين أكدت باكستان مشاركتها دعمًا لما وصفته بالسعي إلى تحقيق سلام دائم في غزة، مع الحفاظ على قدر من الحذر الدبلوماسي.

رفض أوروبي وتحفظات قانونية

في المقابل، برز موقف أوروبي متحفظ، بل ورافض في بعض العواصم. فرنسا أعلنت أنها لا تنوي الانضمام في الوقت الحالي، محذّرة من أن صلاحيات المجلس قد تتجاوز إدارة المرحلة الانتقالية في غزة، وتؤدي إلى تقويض دور الأمم المتحدة.

كما أبدت النرويج والسويد اعتراضهما، معتبرتين أن المبادرة تتعارض مع القانون الدولي. وأشارت تقارير إلى أن ألمانيا رفضت الانضمام خشية إضعاف منظومة العمل الأممي، بينما قررت إيطاليا عدم المشاركة، ما يعكس انقسامًا أوروبيًا واضحًا حيال جدوى المجلس وأهدافه.

قوى كبرى تراقب

روسيا أعلنت أنها تدرس تفاصيل المبادرة وتطلب توضيحات إضافية من واشنطن، في حين تلقت الصين الدعوة دون إعلان موقف نهائي. أما كندا، فأبدى رئيس وزرائها حذرًا واضحًا، مؤكدًا أن بلاده لم تحسم قرارها بعد.

الفلسطينيون خارج المشهد

ورغم الزخم السياسي والدبلوماسي، يبقى الغياب الفلسطيني هو العنوان الأبرز. فلا وجود لتمثيل مباشر لأهالي غزة أو لقيادة فلسطينية داخل المجلس، في وقت يُناقش فيه مستقبل القطاع ومصيره السياسي والاقتصادي من دون أصحاب الأرض أنفسهم.

مبادرة بلا إجماع

يعكس «مجلس السلام» مفارقة سياسية لافتة؛ مبادرة تُطرح تحت شعار السلام وإعادة الإعمار، لكنها في الواقع تعمّق الانقسام الدولي بدل أن توحّده.

وبين من يرى فيها فرصة لانتشال غزة من الدمار، ومن يخشى أن تكون شكلًا جديدًا من الوصاية الدولية، يبقى السؤال مفتوحًا:

هل يشكّل المجلس مدخلًا حقيقيًا لسلام دائم، أم مجرد إطار جديد لإدارة الصراع بدل حله؟

المؤكد أن الطريق إلى غزة ما بعد الحرب لا يزال طويلًا، ومثقلًا بالحسابات السياسية أكثر من كونه مفروشًا بالأمل.

Mariam Hassan

مريم حسن كاتبة وصحفية متخصصة في الشأن الهندي ـ الباكستاني و جنوب شرق آسيا خبرة سنتين في مجال العمل الصحفي والإعلامي. أماكن العمل : داي نيوز الإخباري. أعمل على ترجمة وتحرير الأخبار والتقارير الصحفية المتنوعة. تحليل و دراسة التحولات السياسية والتهديدات الأمنية في آسيا وانعكاساتها على الأمن القومي المصري والعربي. متابعة التطورات الاقتصادية والتكنولوجية، وتحليل سياسات القوى الإقليمية وأنماط التحالفات بين جنوب آسيا والشرق الأوسط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى