تقارير

ترامب يتراجع بعد خطاب ماكرون.. هل خسر ترامب جولة سياسية؟

لم يكن إحياء ملف جرينلاند خطوة عابرة في الخطاب السياسي الدولي، بل إشارة إلى صدام متجدد بين رؤيتين لإدارة العالم الأولى تقوم على فرض النفوذ بالقوة، والثانية تستند إلى منظومة القواعد والتحالفات الدولية، في لحظة تشهد فيها العلاقات بين واشنطن وأوروبا توترًا متصاعدًا.

فتهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض تعريفات جمركية على الدول التي تعارض خططه بشأن الجزيرة، فجرت ردود أفعال أوروبية غير مسبوقة، كان أبرزها الهجوم العلني الذي شنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من منصة المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.

اقرأ أيضاً:وصول ترامب إلى دافوس.. هل تعصف رياح القطب الشمالي بقمة الألب؟

جرينلاند من جزيرة نائية إلى عقدة صراع دولي

تعتبر جرينلاند أكبر جزيرة في العالم من حيث المساحة، لكنها في الوقت نفسه من أقل المناطق كثافة سكانية، وهو ما جعلها تاريخياً بعيدة عن بؤرة الصراعات الكبرى ، غير أن موقعها الجغرافي في قلب القطب الشمالي، بين أمريكا الشمالية وأوروبا وروسيا، حولها خلال السنوات الأخيرة إلى نقطة ارتكاز استراتيجية بالغة الحساسية.

ومع تسارع ذوبان الجليد نتيجة التغير المناخي، بدأت ممرات بحرية جديدة في الظهور، ما أعاد رسم خريطة التجارة العالمية، وجعل السيطرة على طرق الملاحة القطبية مسألة أمن قومي للدول الكبرى.

وفي هذا السياق، ترى واشنطن أن جرينلاند تشكل بوابة متقدمة لمراقبة هذه التحولات، ولمنع تمدد النفوذ الروسي والصيني في المنطقة.

اقرأ أيضاً:حين يتحول الناتو إلى ورقة تفاوض: كيف يربك ترامب أمن أوروبا؟

ماكرون يرفع راية السيادة الأوروبية

في مواجهة هذا التصعيد، اختار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الخروج عن لغة الدبلوماسية التقليدية، موجهاً انتقادات حادة للولايات المتحدة، ومتهماً إياها بالسعي إلى إضعاف أوروبا وإخضاعها عبر الاتفاقيات التجارية والرسوم الجمركية.
ومن دافوس، أكد ماكرون أن فرنسا وأوروبا متمسكتان بالسيادة الوطنية وبميثاق الأمم المتحدة، محذراً من الانزلاق نحو عالم بلا قواعد، تحكمه شريعة الأقوى.

كما شدد على أن القارة العجوز تفضل احترام القانون الدولي على منطق التنمر والابتزاز الاقتصادي، مفضلاً “الاحترام على التنمر” و”سيادة القانون على الوحشية”.
ولم يكن خطاب ماكرون مجرد رد فعل سياسي، بل محاولة لإعادة تعريف موقع أوروبا في النظام الدولي، كقوة تسعى إلى الاستقلال الاستراتيجي، لا مجرد تابع اقتصادي أو أمني لواشنطن.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون

وقد أثار خطابه ردود فعل قوية، حيث دعا إلى تفعيل “المدفع التجاري” الأوروبي إذا لزم الأمر لمواجهة الضغوط الأمريكية.
ترامب ومنطق الصفقات الكبرى
منذ عام 2019، لا يخفي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رغبته في وضع يده على جرينلاند، واصفاً إياها بأنها ضرورية للأمن القومي الأمريكي.

ويعيد ترامب طرح الفكرة اليوم بلغة أكثر صراحة، مستنداً إلى مزيج من الضغوط الاقتصادية والتهديدات السياسية.
ويرى ترامب أن الدنمارك، التي تتبع لها جرينلاند كإقليم ذاتي الحكم، عاجزة عن حمايتها في ظل تصاعد التنافس الدولي في القطب الشمالي.

ويذهب أبعد من ذلك بالتهديد بفرض تعريفات جمركية على أوروبا إذا لم تدخل في مفاوضات مباشرة حول مستقبل الجزيرة، مع رفضه استبعاد خيار القوة بشكل كامل، رغم تفضيله سيناريو الشراء أو الاتفاق.
ويعكس هذا الخطاب فلسفة ترامب القائمة على تحويل السياسة الخارجية إلى سلسلة من الصفقات، حيث تصبح الأراضي والمواقع الاستراتيجية أوراق تفاوض، لا قضايا سيادة.

تراجع مفاجئ: إطار اتفاق مستقبلي وإلغاء التعريفات

في تطور سريع يوم الأربعاء 21 يناير 2026، أعلن الرئيس ترامب تراجعه عن تهديدات التعريفات الجمركية التي كانت مقررة في الأول من فبراير، بعد اجتماع مع الأمين العام لحلف الناتو مارك روته على هامش منتدى دافوس.

وفي منشور على منصة “تروث سوشيال”، قال ترامب إنه تم تشكيل “إطار لاتفاق مستقبلي” يتعلق بجرينلاند والمنطقة القطبية الشمالية ككل، مشيراً إلى أن هذا الإطار جعله يلغي التعريفات المخططة.

ووصف الرئيس الأمريكي الإطار بأنه “مفهوم اتفاق” معقد، سيتم توضيحه لاحقاً، لكنه لمح إلى تضمينه حقوقاً معدنية للولايات المتحدة ومشاركة في نظام الدفاع الصاروخي “القبة الذهبية” (Golden Dome).

وأكد ترامب صراحة أنه لن يلجأ إلى القوة العسكرية لفرض سيطرة أمريكية على الجزيرة، في تحول عن موقفه السابق.

ورغم غموض التفاصيل، أدى الإعلان إلى ارتفاع فوري في الأسواق المالية، ووصفه مسؤولون دنماركيون مثل وزير الخارجية لارس لوكه راسموسن بأنه “نغمة أفضل”، مع دعوة للحوار مع احترام الخطوط الحمراء الدنماركية والجرينلاندية.

ومع ذلك، حذر قادة أوروبيون مثل وزير المالية الألماني لارس كلينجبايل من الاحتفال المبكر، مشددين على ضرورة انتظار تفاصيل أكثر وضوحاً.

هذا التراجع يعكس نمط ترامب في استخدام التهديدات كأداة تفاوضية، ثم الانسحاب عند تحقيق تقدم دبلوماسي أو مواجهة مقاومة قوية، مع استمرار المفاوضات بقيادة مسؤولين مثل نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو.

المدفع التجاري الأوروبي خيار الردع الأخير

في الكواليس، بدأت بروكسل تلوح بأداة غير مسبوقة تعرف باسم المدفع التجاري، وهو الاسم غير الرسمي لأداة مكافحة الإكراه التي أقرتها المفوضية الأوروبية عام 2021.

وقد صممت هذه الآلية أساساً للرد على الضغوط الاقتصادية التي مارستها الصين ضد ليتوانيا، لكنها اليوم تعود إلى الواجهة في سياق المواجهة مع الولايات المتحدة.
وتتيح هذه الأداة للاتحاد الأوروبي فرض قيود واسعة على التجارة والاستثمار، بما في ذلك منع الشركات المستهدفة من دخول السوق الأوروبية التي تضم نحو 450 مليون مستهلك. كما يمكن أن تشمل استبعاد شركات من المناقصات العامة، أو فرض قيود على الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
ورغم أن تفعيل هذه الأداة قد يستغرق ما لا يقل عن ستة أشهر، فإن مجرد التلويح بها يحمل رسالة سياسية واضحة، مفادها أن أوروبا لم تعد تفتقر إلى أدوات الرد.

تجارة بمليارات ومخاطر مضاعفة

تكشف الأرقام حجم الرهانات في هذه المواجهة، إذ بلغت قيمة التبادل التجاري بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي نحو 1.7 تريليون يورو في عام 2024، وهو ما يعادل أكثر من أربعة مليارات يورو يومياً. وتشمل الصادرات الأوروبية إلى أمريكا قطاعات حيوية مثل الأدوية والسيارات والطائرات، بينما تعتمد أوروبا في المقابل على خدمات وتقنيات أمريكية في مجالات الطاقة والبنية الرقمية.
وأي تصعيد تجاري واسع قد يوجه ضربة قاسية للطرفين، ويعمق حالة عدم الاستقرار في الاقتصاد العالمي. ومع ذلك، يبدو أن ملف جرينلاند تجاوز كونه خلافاً تجارياً، ليصبح اختباراً حقيقياً لمفهوم السيادة، ولمدى قدرة النظام الدولي على الصمود أمام سياسة فرض الأمر الواقع.

“وفي سياق متصل، أكد الدبلوماسي السابق والخبير في الشؤون الأمريكية، مسعود معلوف، في تصريحات خاصة لـ”داي نيوز”، أن تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في اجتماعات دافوس كانت قوية وواضحة في رفضها للموقف الأمريكي. وأوضح معلوف أن ماكرون عبّر عن رفضه الشديد لإقدام الرئيس ترامب على استخدام الرسوم الجمركية كأداة لتحقيق أهداف سياسية لا علاقة لها بالاقتصاد، مشيراً إلى أن هذه التصرفات قد تهدد وحدة الدول الأوروبية وتوازن التحالفات الدولية، خاصة أن الدنمارك، التي يهدف ترامب لضم جزيرتها جرينلاند، عضو في الاتحاد الأوروبي وحليف في حلف شمال الأطلسي.

وأضاف معلوف أن موقف ماكرون القوي يعكس رغبة فرنسا في جمع الدول الأوروبية خلف موقف موحد ضد أي ضغوط أمريكية، مؤكداً أن فرنسا، ولأول مرة منذ فترة، تتخذ موقفاً مباشراً وجريئاً في مواجهة الولايات المتحدة. وأوضح أن تصريحات ترامب الأخيرة خلال مؤتمر صحفي بمناسبة مرور عام على رئاسته، والتي قلل فيها من أهمية التفاوض مع ماكرون، تؤكد أن هناك حالة من عدم الاحترام قد تدفع الدول الأوروبية إلى اتخاذ مواقف غير ودية تجاه الولايات المتحدة.

وختم معلوف حديثه بالقول: “سنكون أمام تطورات مهمة في الأيام القادمة، فالموقف الأمريكي قد يختبر قدرة أوروبا على الحفاظ على وحدة موقفها والدفاع عن مصالحها الاستراتيجية”، مؤكداً أن ماكرون يبدو أنه بدأ بالفعل يحصل على بعض التأييد الغربي لموقفه الرافض للتصرفات الأمريكية الأخيرة.

وفيما يخص البعد الاقتصادي، أكد الدكتور أحمد شوقي، الخبير الاقتصادي، في تصريحات خاصة لـ”داي نيوز”، أن السياسات الأمريكية في الفترة الحالية ترتبط بشكل مباشر بتحقيق أهداف داخلية، لا سيما خفض معدلات التضخم وتعزيز الصناعة المحلية.

وأوضح شوقي أن فرض الإدارة الأمريكية رسومًا جمركية مرتفعة على بعض السلع المستوردة يهدف إلى دفع المستهلكين والشركات للاعتماد على المنتجات المحلية، وهو ما يسهم في تنشيط سوق العمل وزيادة الإنتاج، وبالتالي الحد من الضغوط التضخمية على الاقتصاد الأمريكي. وأضاف أن هذه الخطوات تمنح صانعي القرار في واشنطن ورقة قوة سياسية أمام الرأي العام، باعتبارها سياسات تحافظ على الوظائف وتدعم الاقتصاد الوطني داخليًا.

أما على الصعيد الخارجي، فأشار شوقي إلى أن استخدام الرسوم الجمركية يمثل وسيلة ضغط سياسية واقتصادية على الدول التي لا تتوافق توجهاتها مع مصالح الولايات المتحدة، خاصة في ملف الهيمنة النقدية. موضحًا أن النظام الاقتصادي العالمي يشهد حاليًا تحولات ملموسة، مع اتجاه العديد من الدول لتقليل اعتمادها على الدولار وزيادة احتياطاتها من الذهب والمعادن النفيسة كبديل أكثر استقرارًا، وهو ما يمثل مصدر قلق لواشنطن نظرًا لاعتماد الاقتصاد الأمريكي على استمرار هيمنة الدولار في التجارة العالمية والاحتياطيات الدولية.

وفي السياق ذاته، قال شوقي إن العلاقة بين الولايات المتحدة والصين تتسم بالتشابك والتعقيد، حيث تنتقد واشنطن النظام الاقتصادي الصيني وتعتبره غير عادل بسبب سياسات دعم الصادرات والتدخل في سعر العملة وهيمنة سلاسل الإمداد العالمية، وفي الوقت نفسه لا ترغب الولايات المتحدة في خسارة الصين كشريك اقتصادي ضخم.

وأكد شوقي أن المشهد الدولي الحالي يتجه نحو صراعات اقتصادية ومفاوضات متشابكة، وليس قطيعة كاملة أو تعاون كامل، مشددًا على أن الولايات المتحدة باتت تستخدم أدوات الاقتصاد لتحقيق مكاسب سياسية في الداخل والخارج، وسط نظام عالمي سريع التغير.

في النهاية، يظل ملف جرينلاند اختبارًا حاسمًا لتوازن القوى في النظام الدولي، حيث نجحت الضغوط الأوروبية والدبلوماسية في دفع ترامب للتراجع عن تهديداته الجمركية والعسكرية.

ومع ذلك، يبقى الغموض يحيط بـ”إطار الاتفاق” المعلن، الذي قد يفتح الباب لمفاوضات طويلة حول المصالح المعدنية والأمنية في القطب الشمالي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى