تقارير

من الخرطوم إلى البحر الأحمر: كيف قلبت الرياض موازين القوة في السودان

في ظل الصراع الدامي الذي يشهده السودان منذ أبريل 2023 بين الجيش النظامي وقوات الدعم السريع، يظهر أن المملكة العربية السعودية لم تعد تكتفي بدور الوسيط التقليدي، بل دخلت مرحلة الفاعلية غير المباشرة، حيث أصبحت السودان ساحة اختبار لتوازنات القوى الإقليمية بين الرياض وأبوظبي.

الصفقة الباكستانية: أكثر من مجرد سلاح

في 9 يناير 2026، أعلنت تقارير عن صفقة أسلحة بين السودان وباكستان بقيمة 1.5 مليار دولار، تشمل:

عشر طائرات هجومية خفيفة من نوع Karakoram-8.

أكثر من 200 طائرة مسيرة، تجمع بين الاستطلاع والهجوم والانتحارية.

أنظمة دفاع جوي متقدمة لتعزيز الحماية ضد الطائرات المسيّرة لقوات الدعم السريع.

طائرات تدريب Super Mushshak لتطوير قدرات الطيارين المحليين.

احتمال إدراج مقاتلات JF-17 لتعزيز التفوق الجوي طويل الأمد.

هذه الصفقة لا تمثل مجرد توريد عسكري، بل تحولاً استراتيجياً يهدف إلى:

1. إعادة ميزان القوة لصالح الجيش السوداني.

2. كبح نفوذ الإمارات التي دعمت قوات الدعم السريع.

3. حماية الممرات البحرية الحيوية للبحر الأحمر.

السعودية بين الوساطة والتحرك الخفي

المثير للاهتمام أن السعودية لم تظهر كطرف رسمي في الصفقة، بل لعبت دور الراعي السياسي والوسيط الاستراتيجي، مستفيدة من علاقاتها الطويلة مع المؤسسة العسكرية الباكستانية. هذا التوجه يتيح لها:

تجنب كلفة التدخل المباشر في مواجهة الإمارات.

تعزيز قدرات الجيش النظامي السوداني بطريقة غير علنية.

اختبار نموذج تحالفات إقليمية لدعم الدولة الوطنية دون إثارة حساسيات دولية.

الصراع الإقليمي: الإمارات مقابل السعودية

الصراع السعودي–الإماراتي في السودان هو امتداد للخلافات في اليمن والبحر الأحمر، حيث ترى الرياض أن أبوظبي:

دعمت مشروع المليشيات الانفصالية لتفكيك الدولة السودانية.

ساهمت في استهداف المدن السودانية بالطائرات المسيّرة خلال 2025.

انتهجت أولويات اقتصادية خاصة على حساب الأمن الإقليمي.

أما السعودية، بحسب المحللين، فهي تعتبر السودان ركيزة أساسية لأمن الخليج، واستقرار الدولة السودانية مرتبط مباشرة بحماية الممرات البحرية ومصالحها الحيوية في البحر الأحمر.

أبعاد استراتيجية أوسع

صفقة السلاح ليست مجرد اتفاقية تجارية، بل رسالة سياسية واضحة:

الجيش السوداني سيصبح الطرف المسيطر على الصراع الداخلي.

المليشيات المدعومة إماراتياً ستواجه ردعاً عسكرياً فعّالاً.

تحالف سعودي–مصري–عربي لدعم الدولة الوطنية ووحدة الأراضي السودانية.

حماية الأمن الإقليمي وفرض قواعد الاشتباك في حرب طويلة الأمد.

وفي هذا السياق، يرى خبراء أن أي انهيار للدولة السودانية لن يقتصر على الداخل، بل سيمثل تهديداً ممتداً من القرن الإفريقي إلى الممرات البحرية الحيوية، مع انعكاسات على التجارة الدولية وأمن دول الخليج.

السعودية لم تعد تلعب دور الوسيط الحذر في الصراعات الإقليمية، بل تحركت كقوة ضامنة لاستقرار الدولة الوطنية السودانية، مستخدمة أدوات غير مباشرة كالبوابة الباكستانية لتوفير الدعم العسكري، في مواجهة النفوذ الإماراتي الذي يعتمد على المليشيات والفوضى التنظيمية.

الصفقة العسكرية الباكستانية–السودانية، الممولة سعودياً، هي نموذج لتحولات القوى الإقليمية، حيث يمتزج الدعم العسكري بالدبلوماسية الذكية لإعادة رسم خطوط النفوذ في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، مع الحفاظ على توازنات دقيقة بين مصالح الخليج ومواءمة التحركات مع شركاء عالميين.

Mariam Hassan

مريم حسن كاتبة وصحفية متخصصة في الشأن الهندي ـ الباكستاني و جنوب شرق آسيا خبرة سنتين في مجال العمل الصحفي والإعلامي. أماكن العمل : داي نيوز الإخباري. أعمل على ترجمة وتحرير الأخبار والتقارير الصحفية المتنوعة. تحليل و دراسة التحولات السياسية والتهديدات الأمنية في آسيا وانعكاساتها على الأمن القومي المصري والعربي. متابعة التطورات الاقتصادية والتكنولوجية، وتحليل سياسات القوى الإقليمية وأنماط التحالفات بين جنوب آسيا والشرق الأوسط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى