زيارة الفاتيكان إلى بيروت.. دعوة للسلام وحزب الله يؤكد أن لبنان “رسالة”
كتبت: هدير الصاوي
وصل قداسة البابا ليو الرابع عشر، الأحد، إلى بيروت، في مستهل أول جولة رسولية له خارج إيطاليا بعد توليه السدة البابوية، في زيارة خاطفة تستمر لـ 48 ساعة. تحمل هذه الزيارة، التي تأتي في وقت عصيب يمر به لبنان، أبعادًا سياسية وروحية عميقة، متمحورة حول رسالة سلام ودعم لشعب أنهكته الأزمات المتلاحقة.
استقبال الرئاسات والتوافق الوطني
شهد مطار بيروت الدولي استقبالاً رسمياً رفيع المستوى، جسّد أعلى درجات التوافق الوطني اللبناني على رمزية هذه الزيارة، حيث كان في استقباله الرؤساء الثلاثة: رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، إلى جانب قائد الجيش العماد رودولف هيكل.
لم يقتصر الترحيب على الصف الرسمي، بل تحولت الطريق الممتد من المطار إلى القصر الرئاسي في بعبدا إلى مشهد لافت لاحتشاد المواطنين اللبنانيين، الذين رفعوا أعلام لبنان والفاتيكان، في دلالة واضحة على تعطش الشعب للوحدة والدعم الروحي وسط انهيار الأوضاع المعيشية والسياسية التي تعيشها البلاد.
وقد افتتح البابا برنامجه بكلمة أمام المسؤولين والدبلوماسيين، بعد أن سجّل في سجل الشرف بالقصر الرئاسي تمنياته بـ”بركات كثيرة لجميع شعب لبنان، مصليا أن يسود السلام”.
محطات إنسانية بعمق سياسي
برنامج الزيارة، الذي يمتد حتى الثلاثاء، يشمل جولات في خمس مدن وبلدات لبنانية، ويغيب عنه الجنوب اللبناني لدواعٍ أمنية. وتبرز المحطات الإنسانية كجزء لا يتجزأ من الأجندة، لكنها تحمل في طياتها تذكيراً بالمسؤوليات الوطنية والدولية. فإقامة صلاة في موقع انفجار مرفأ بيروت الذي أودى بحياة المئات، ليس مجرد لفتة روحية، بل هو تأكيد على أهمية المحاسبة والعدالة في كارثة هزت استقرار البلاد. كما أن زيارته لمستشفى دير الصليب لمرضى الصحة النفسية تسلط الضوء على تداعيات الأزمة على النسيج الاجتماعي والروحي للشعب. وسيترأس البابا قداساً حاشداً في الهواء الطلق، ليكون تجمعاً رمزياً للاعتدال والوحدة.
البعد الإقليمي وموقف المقاومة
تأتي زيارة لبنان كجزء من أول جولة خارجية للبابا بدأها من تركيا، ما يعكس تركيزه على قضايا السلام والحوار في منطقة الشرق الأوسط المضطربة. وفي تطور لافت، وجه حزب الله رسالة إلى البابا ليو الرابع عشر قبيل وصوله، رحب فيها بالزيارة وذكّر بمقولة سلفه البابا يوحنا بولس الثاني بأن “لبنان ليس مجرّد وطن، بل رسالة”.
حملت الرسالة بعداً سياسياً واضحاً، حيث أكدت على التنوع الطائفي المنتظم والعيش الواحد المشترك، وفي الوقت ذاته، انتقدت الرسالة “المأساة التي شهدتها غزة” و”المعاناة التي يعيشها اللبنانيون جراء الاحتلال الصهيوني لبعض أرضهم”. وأكد الحزب على تمسكه بالديمقراطية التوافقية والسيادة الوطنية ورفض التدخل الأجنبي. هذه الرسالة تضع زيارة البابا في سياق أوسع يتجاوز الحدود اللبنانية، محولةً إياها إلى منصة عالمية للحوار حول قضايا الإقليم والعدالة الدولية.
في المحصلة، لا تمثل زيارة البابا ليو الرابع عشر مجرد رحلة حج دينية، بل هي حدث دبلوماسي رفيع يوفر غطاءً دولياً لضرورة إبقاء لبنان نموذجاً للتعايش، ودفعة قوية للقوى المطالبة بالاستقرار والسيادة في مواجهة التدخلات الإقليمية ومخاطر الانزلاق.



