مقالات

حين تنتصر الروح على الضجيج: درس بليغ من «دولة التلاوة»

لطالما حاصرتنا تلك السردية اليائسة التي تتكرر كأنها حقيقة مُسلم بها: “الناس يركضون خلف التفاهة”، و”المحتوى الجاد لا مكان له في زمن الـ (تيك توك) والسرعة”. لقد كدنا نقتنع بأن الذوق العام قد انهار، وأن الجمهور تحول إلى كتلة صماء لا تستهلك إلا ما خف وزنه وزاد ضجيجه.

لكن، وبينما نحن غارقون في جلد الذات وجلد الجمهور، جاء برنامج «دولة التلاوة» ليقدم مرافعة دفاع قوية عن وعي الناس، وينسف فكرة “سطحية الجمهور” من جذورها.

لغة الأرقام تُسكت الأوهام

لم يكن النجاح مجرد صدفة أو انطباع عابر؛ فالأرقام التي كشفت عنها صحيفة المصري اليوم جاءت صاعقة لكل من راهن على موت الذائقة.

  • 168 مليون مشاهدة رقمية: حصيلة أربع حلقات فقط!
  • اكتساح عربي: لم يكن التفاعل مصرياً وحسب، بل تصدر البرنامج “الترند” في الإمارات، قطر، الكويت، والأردن، وفقاً لما رصدته الأهرام.

هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات؛ إنها إعلان صارخ بأن هناك ملايين يبحثون عن المحتوى الذي يخاطب أرواحهم وعقولهم، وليس غرائزهم فقط.

إحياء جمال التلاوة وعودة الروح إلى آذان الجمهور

ما فعله «دولة التلاوة» هو أنه أعاد تعريف العلاقة بين الجمهور والتراث؛ فهو لم يقدم التلاوة بوصفها واجباً دينياً جافاً، بل قدمها بصفتها تجربة جمالية وفنية. لقد تعامل مع الصوت البشري كأداة للجمال، وكامتداد لمدرسة التلاوة المصرية العريقة التي شكلت وجدان المنطقة لعقود.

والجمهور لم يهرب من “العمق”، بل كان يبحث عنه، وحين وُجد هذا العمق مغلفاً بالإتقان والإبداع، ودون ابتذال، فُتحت له الأبواب والقلوب. هذا يثبت أن الناس لا يكرهون المعنى، بل يكرهون القوالب الجامدة والمحتوى الرديء.

نحن المشكلة.. لا الجمهور

لعل الدرس الأقسى الذي يوجهه لنا هذا النجاح الكاسح هو أننا اعتدنا اتهام الجمهور بالسطحية، بدلاً من أن نسأل أنفسنا: أين البديل؟

والدهشة التي أصابت النخبة من نجاح برنامج ديني-ثقافي وسط بحر الترفيه، تكشف عن قصور في رؤيتنا نحن. لقد تركنا الساحة فارغة، وحين مُلئت بالفراغ، لُمنا الناس. لكن حين عاد المحتوى “الثقيل” والمتقن، عاد الناس.

ورغم أن انتشار «دولة التلاوة» لا يعني أن التفاهة اختفت من الوجود، لكنه يثبت حقيقة جوهرية: الادعاء بأن “الجمهور عايز كده” هو محض كسل فكري. الجمهور كائن حي، متعدد، ومتناقض، ولديه توق دائم للجمال والسكينة.

فالقيمة لم تمت، والذائقة لم تتبلد؛ كل ما في الأمر أن القيمة كانت غائبة أو متوارية. وحين عادت لتطرق الباب باحترام وإتقان، وجدت من يفتح لها على مصراعيه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى