بعد 2025.. إلى أين وصل تأثير النزاعات على المدنيين؟
كما يبرز التجنيد القسري في روسيا وأوكرانيا كعامل إضافي يفاقم التفكك الأسري، حيث أدى خفض سن التعبئة في أوكرانيا إلى 25 عاماً في 2024، وتقارير عن إساءات في عمليات التجنيد، إلى سحب شباب في سن مبكرة من عائلاتهم، مما يعرضهم لمخاطر جسدية ونفسية، كما وثق تقرير مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان (OHCHR) في 2025.
هذا التجنيد لم يقتصر على الشباب الروس أو الأوكرانيين، بل أدى إلى انفصال زوجات عن أزواجهن وأطفالهن لفترات طويلة، مما يعمق الشعور بالفقدان والعزلة، ويؤدي إلى اضطرابات نفسية جماعية مثل اضطراب القلق الانفصالي، حسب دراسات منظمة الصحة العالمية حول تأثير الحرب على الأسر.
هنا، يتجلى الصمت في قصص العائلات، حيث أفادت تقارير اليونيسف بأن ملايين الأطفال يعانون من آثار طويلة الأمد بسبب غياب الآباء، مما ينقل الصدمة إلى الأجيال القادمة ويجعل التعافي أكثر تعقيداً.”
كما زاد العنف الجنسي والعائلي، حسب تقرير يون وومن في فبراير، الذي أشار إلى تراجع حقوق المرأة عقوداً إلى الوراء.
أما في السودان، حيث دخلت الحرب الأهلية عامها الثالث، فقد أصبحت الأزمة الإنسانية الأكبر عالمياً، مع نزوح أكثر من 10 ملايين شخص داخلياً وخارجياً، كما وثق تقرير OHCHR في سبتمبر 2025، الذي أشار إلى تفاقم النزاع في النصف الأول من العام مع ارتفاع القتلى المدنيين والعنف الإثني. هذا النزوح لم يقتصر على الهروب من القتال، بل شمل مجاعة واسعة وانهيار التعليم، حيث أفاد تقرير الأمم المتحدة في ديسمبر 2025 بأن ملايين الأطفال فقدوا الوصول إلى المدارس، مما أدى إلى صدمات نفسية جماعية. الخسائر المدنية بلغت آلاف القتلى، مع تقديرات تختلف لكنها تشير إلى أزمة حقوقية خطيرة، كما في تقرير UN Women في نوفمبر الذي ركز على العنف الجنسي ضد النساء والفتيات كأداة حرب. كما يبرز التقرير كيف أن النزاع السياسي تحول إلى كارثة إنسانية، مع جرائم دولية محتملة، حسب لجنة تقصي الحقائق في يونيو. هنا، يتجلى الصمت في “النسيان العالمي”، حيث وصف تقرير ReliefWeb في يوليو السودان كأكبر أزمة نزوح مهملة، مما فاقم الاكتئاب والقلق بين المدنيين. مقارنة بين الحروب تكشف تشابهات عميقة، كلها أدت إلى نزوح جماعي وخسائر مدنية هائلة، مع تركيز على الأطفال والنساء كضحايا رئيسيين. في غزة، كان الدمار مركزاً في منطقة صغيرة، مما أدى إلى مجاعة، بينما في أوكرانيا امتد التصعيد عبر مناطق واسعة مع هجمات جوية، وفي السودان أصبحت الأزمة جيوسياسية مع عنف إثني. ومع ذلك الاختلاف في الاستجابة فغزة واجهت قيوداً أكبر على المساعدات، أوكرانيا حصلت على دعم أوسع، بينما السودان يعاني من الإهمال، كما في تقارير OHCHR.كيف تنعكس الحرب على الصحة النفسية والمجتمعية.. خبراء يوضحون
و في سياق متصل، أكدت خلود حمد، الأخصائية النفسية والمعالجة السلوكية، في تصريحات خاصة لـ«داي نيوز» أن الحروب تُسبب أثرًا كبيرًا على الصحة النفسية للمجتمعات، لما تخلفه من آثار عميقة وخلل واضح في الأدوار الاجتماعية داخل الأسرة والمجتمع. وأوضحت أن من أبرز هذه الآثار اضطرابات القلق، لا سيما اضطراب القلق الانفصالي، الذي يظهر من خلال خوف شديد ومضطرب من الفقد والانفصال، إضافة إلى اضطراب الكرب التالي للصدمة (اضطراب ما بعد الصدمة)، الذي قد تظهر أعراضه بعد ست سنوات أو أكثر من انتهاء الحرب.

وأشارت إلى أن هذا الخلل النفسي ينعكس مباشرة على العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة، إذ يقلل من قدرة الفرد على أداء أدواره الاجتماعية بشكل فعال، ويؤدي إلى تفكك الإحساس بالأسرة كمصدر أمان، مؤكدة أن استمرار هذه الأعراض دون تدخل يؤدي إلى انتقال الصدمة من جيل إلى آخر، ما يحوّلها إلى إرث نفسي متوارث داخل العائلة والمجتمع.
وأضافت خلود أن الأخصائيين النفسيين يحاولون إنقاذ الصحة النفسية للمدنيين عبر الإسعافات الأولية النفسية، والتي تُعد أهم خطوة في التدخل السريع، إلى جانب توعية الناس بكيفية تقديم الدعم النفسي لبعضهم البعض، بهدف التخفيف من الأثر النفسي على المدى البعيد.
وتشمل جهودهم تقديم جلسات دعم نفسي اجتماعي، وعقد جلسات فردية للمتضررين بعد الحوادث، مع التركيز على تعزيز القدرة على التكيف ومواجهة المشاعر الصعبة.
وتطرقت إلى الضغط النفسي الذي يتعرض له الأخصائيون أنفسهم نتيجة شعورهم بحجم المسؤولية، وإدراكهم أن كل خطوة يتخذونها تكون في توقيت حساس وحاسم. وللتغلب على هذا الضغط، أوضحت أنه يتم الاعتماد على التعاون المهني بين الأخصائيين، والتواصل مع مختصين خارج نطاق الأزمة، والحصول على التوجيه والدعم المهني المستمر، بما يساعدهم على الحفاظ على توازنهم النفسي وتمكينهم من تقديم المساعدة بالشكل الأمثل.
كما أكدت خلود أن غياب الاهتمام الدولي يزيد من تفاقم الأثر النفسي على الضحايا، إذ يؤدي إلى فقدان الشعور بالأمان وغياب أي دعم أو مساعدة، ما يعيق عملية التعافي النفسي ويعمّق الإحساس بالعجز والتهميش.
وأشارت إلى أن الأثر النفسي الأعمق للحروب، والذي غالبًا لا يُرى في الأخبار، يتمثل في الخلل الاجتماعي الذي يطرأ على الأدوار التقليدية داخل الأسرة والمجتمع.
وأضافت أن هذا الخلل يحول الفرد من البحث عن هويته ودوره في المجتمع إلى مجرد أسلوب بقاء، ما يؤدي إلى تكوين مجتمع غير متوازن يعيش تحت كبت وضغط نفسي واجتماعي شديد، حيث قد تصبح وسائل التعنيف وسيلة للبقاء، مما يسفر عن ازدياد معدلات الجريمة والتسرب من المنظومة القانونية، والتي تُعد أحد الأسس المهمة لبناء مجتمع سوي ومستقر.
من جانبه ترى الأخصائية الاجتماعية و الباحثة إيسامار صفا ،في تصريحات خاصة لـ«داي نيوز»،أن النزوح المتكرر يحول الصدمة الناتجة عن الحرب إلى جزء من الهوية العائلية. وأوضحت أن الأطفال يشاهدون آباءهم يعيشون الحزن والخوف بشكل مستمر، ما يجعل القلق وفقدان الأمن النفسي سمة متوارثة بين الأجيال، ويؤثر على سلوكيات الأسرة وقراراتها وأساليب التربية. وأضافت أن الدراسات العلمية، بما في ذلك تقارير منظمة الصحة العالمية، أظهرت أن الأطفال اللاجئين الذين يواجهون انتقالات متكررة يعانون من ضعف الترابط الأسري والارتباط العاطفي، بينما أبحاث أخرى عن الصدمة بين الأجيال لدى اللاجئين الفلسطينيين بينت أن الأطفال الذين لم يعايشوا الحرب مباشرة يكتسبون سلوكيات القلق والخوف المتوارثة عن آبائهم، ما يحوّل الصدمة إلى إرث نفسي مستمر. وتطرقت إيسامار إلى الدور المهني للأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين، مشيرة إلى أنهم يعملون على إنقاذ الصحة النفسية للمدنيين عبر تدخلات مباشرة وغير مباشرة، تشمل برامج الطوارئ، والدعم النفسي الأولي، وتعليم تقنيات التأقلم السريع، خاصة للأطفال والنساء. وأكدت أن الهدف من هذه التدخلات لا يقتصر على العلاج الكامل، بل على الحد من الانهيار النفسي ومنع تفاقم الصدمة على المدى الطويل، لافتة إلى أن هذه البرامج تُركز على الاستقرار النفسي اللحظي كأساس للحفاظ على صحة الفرد والمجتمع على حد سواء. كما أشارت إيسامار إلى أن الأخصائيين أنفسهم معرضون لضغط نفسي شديد نتيجة التعرض المستمر لمعاناة الآخرين، ما قد يؤدي إلى صداع التعاطف أو الاحتراق النفسي. وقالت إن الحفاظ على التوازن يتطلب دعمًا مهنيًا متبادلًا، وإشرافًا نفسيًا دوريًا، وتحديد حدود واضحة بين العمل والحياة الشخصية، إضافة إلى ممارسة تقنيات العناية الذاتية، لأن قدرة الأخصائي على مساعدة الآخرين مرتبطة بشكل مباشر بقدرته على حماية صحته النفسية أولًا. أما أخطر الآثار النفسية التي تتركها الحرب والتي غالبًا لا تظهر في الأخبار، فتتمثل في تفكك الإحساس الداخلي بالأمان والاستمرارية في الحياة. وقالت إيسامار إن الحرب لا تنتهي عند توقف القصف، بل تظل حاضرة داخل الأفراد على شكل خوف مزمن وترقب دائم، وشعور بأن العالم لم يعد مكانًا يمكن الوثوق به. وأضافت أن الأطفال يعبرون عن معاناتهم غالبًا من خلال الصمت، أو التراجع الدراسي، أو نوبات الغضب، أو التعلّق المفرط بالوالدين، حيث يتعلمون منذ الصغر أن الفقد ممكن في أي لحظة، ويكبرون حاملين مخاوف لم يختاروها، ما يؤثر على سلوكياتهم وقراراتهم المستقبلية. وأشارت إلى أن هذه الصدمات لا تقتصر على الفرد، بل تمتد لتشمل المجتمع بأسره، إذ يؤدي استمرار الخطر اليومي إلى تآكل الثقة بين الناس وتفكك الروابط الاجتماعية، ما يجعل التعافي النفسي أكثر تعقيدًا من إعادة إعمار المباني، لأن ما يُدمَّر في الداخل لا تلتقطه الكاميرات ولا يُقاس بالأرقام. واختتمت إيسامار حديثها بالتأكيد على أن دعم الصحة النفسية في سياق الحروب لا يقل أهمية عن الإغاثة الإنسانية، لأنه يشكل الأساس الحقيقي لأي تعافٍ فردي أو مجتمعي طويل الأمد. في النهاية، عام 2025 لم يكن مجرد صفحة في التاريخ، بل فصل من الصمت الذي يصرخ من خلال التقارير الرسمية.هذه التأملات تذكرنا بأن المدنيين ليسوا إحصاءات، بل أفراد يحتاجون إلى سلام دائم ودعم نفسي الدعوة للعمل الدولي، كما في تقارير اليونيسف والأمم المتحدة، ضرورية لكسر هذا الصمت وإعادة بناء المجتمعات.