تقارير

إيران تغير عاصمتها.. ماذا يحدث؟

كتبت: هدير البحيري

لم تعد أزمة طهران مجرد زحام وتلوث ونقص مياه؛ بل تحولت إلى تحدٍ وجودي يهدد واحدة من أقدم العواصم في الشرق الأوسط. فالعاصمة، التي شهدت أكثر من أربعة عقود من النمو المتسارع، تواجه اليوم جفافًا متصاعدًا، وبنية تحتية منهكة، وصدوعًا زلزالية تهدد مركز الحكم.

في هذا السياق، أعاد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ملف نقل العاصمة إلى الواجهة، مؤكدًا أن استمرار طهران في موقعها الحالي لم يعد قابلًا للإدارة، وأن نقل العاصمة أصبح “ضرورة ملحة”.

وأوضح أن أزمة المياه خرجت “عن السيطرة”، وأن مشروع نقل المياه من الخليج إلى طهران يكلف نحو 500 ألف تومان للمتر المكعب.

وشدد على أهمية مشاركة الشعب في مواجهة الأزمات الاقتصادية والخدمية، محذرًا من أن الإدارة الحكومية وحدها لم تعد كافية.

طهران بين ضجيج الأزمات والتحركات الحكومية

تعاني طهران من أزمات متراكمة تشمل نقص المياه، تدهور البنية التحتية، الازدحام المروري والتلوث، وسط صيف جاف وحار وزيادة جفاف قمم جبال ألبرز.

وفي محاولة لترشيد الاستهلاك،قررت الحكومة قطع المياه دوريًا عن السكان البالغ عددهم 10 ملايين نسمة، بينما استهلاك المدينة يصل إلى نحو ثلاثة ملايين متر مكعب يوميًا، كما أطلقت السلطات عمليات تلقيح السحب لتحفيز الأمطار.

مكران كخيار محتمل لنقل العاصمة

في يناير الماضي، قالت فاطمة مهاجراني، المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية، إن السلطات تدرس إمكانية نقل العاصمة إلى مكران، دون تحديد جدول زمني، ما يجعل الفكرة في مرحلة الدراسة فقط.
وتقع مكران على الساحل الجنوبي لإيران، وتغطي أجزاء من سيستان وبلوشستان وهرمزغان، وتتمتع بموقع استراتيجي قرب مضيق هرمز ومسارات التجارة البحرية في بحر العرب، ما يجعلها خيارًا مناسبًا اقتصاديًا وجغرافيًا.
تتميز المنطقة بهدوئها وطابعها الساحلي البسيط، وتضم قرى صغيرة وشواطئ طويلة، ويعود تاريخها إلى عهد الإسكندر الأكبر.

ورغم كثافتها السكانية المنخفضة، توفر مكران موارد غير مستغلة وفرصًا واسعة في قطاعات الموانئ والتجارة والسياحة البحرية.

ووصف وزير الخارجية عباس عراقجي، مكران بأنها “الجنة المفقودة” التي يمكن أن تتحول إلى المركز الاقتصادي المستقبلي لإيران والمنطقة.

المخاوف والتحديات المرتبطة بنقل العاصمة

 

الأهمية الثقافية لطهران

لطهران قيمة ثقافية ورمزية كبيرة لدى الإيرانيين، ما يجعل فكرة نقل العاصمة تحديًا مجتمعيًا ومعنويًا. ففي عام 1786، نقل محمد خان قاجار عاصمة إيران من شيراز إلى طهران، ومنذ ذلك الحين أصبحت القلب السياسي والإداري والثقافي للبلاد، ويقطنها اليوم أكثر من 19 مليون نسمة، بالإضافة إلى نحو مليوني شخص يدخلون المدينة يوميًا للعمل.

الاعتبارات الأمنية

من الناحية الأمنية، تبقى طهران أكثر تحصينًا مقارنة بمكران على الساحل، التي تتعرض لمخاطر أكبر بسبب موقعها المكشوف.

فالتاريخ أظهر أن المناطق الساحلية غالبًا ما تكون أهدافًا مباشرة لضربات على الموانئ والمنشآت الحيوية، مثل الحرب العراقية–الإيرانية.

التكلفة المالية والمخاطر البيئية

حتى لو تجاوزت الحكومة التحديات الثقافية والأمنية، تبقى الميزانية عقبة رئيسية. إنشاء العاصمة الجديدة يتطلب تكاليف ضخمة للبنية التحتية والمساكن وشبكات النقل والخدمات، في ظل عقوبات ونقص استثمارات أجنبية. كما لا توجد ضمانات أن مكران ستواجه آثار التغير المناخي بشكل أفضل من طهران، فالمناخ شبه الصحراوي وقلة الأمطار تجعل البيئة الطبيعية هشة، ما يحد من إمكانات التنمية.

الجدل العام وتاريخ الفكرة

أثارت الفكرة جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية. ومن أبرز المعارضين الصحفي علي جولهاكي، الذي وصف المشروع بأنه “غير واقعي وخطير”، متسائلًا في منشور على منصة “إكس”: “بناء ملعب آزادي استغرق 18 شهرًا وتكلف 24 مليون دولار، فكم سيستغرق نقل العاصمة وكم سيكلف؟”
وطرح الموضوع رسميًا لأول مرة عام 1985، وظلت الخطة معلقة حتى عام 2009 بسبب تأجيلات اقتصادية وسياسية ولوجستية.

حظيت الفكرة باهتمام خلال رئاسة محمود أحمدي نجاد بسبب مخاطر الزلازل في طهران، ثم أعيد إحياؤها خلال رئاسة حسن روحاني مع التركيز على القضايا البيئية والنمو العمراني غير المنضبط.

موقف الحكومة الحالي

أعاد الرئيس مسعود بزشكيان النقاش إلى الواجهة، مشيرًا إلى أن تفاقم الأزمات في طهران يجعل إعادة النظر في موقع العاصمة مسألة ضرورية لمستقبل البلاد.

وأوضح أن الحكومة تدرس جديًا جميع الخيارات، بما في ذلك نقل بعض الوزارات والمؤسسات إلى مدينة بديلة، مع مراعاة التكاليف والقدرات التنفيذية المتاحة.

هل إيران جاهزة لنقل العاصمة؟

وقالت الباحثة في الشؤون الإيرانية، إسراء جبريل، في حديث خاص لـ”داي نيوز”، إن إيران ليست جاهزة ماليًا أو بنيويًا لتنفيذ مشروع نقل العاصمة بالكامل في المدى القصير.

وأوضحت أن التقديرات تشير إلى أن تكلفة إنشاء مدينة حكومية جديدة قد تصل إلى مئات المليارات من الدولارات، وهو رقم ضخم بالنسبة لاقتصاد يخضع لعقوبات ويعاني من محدودية الإيرادات.

وأضافت جبريل أن الاقتصاد الإيراني يشهد ضغوطًا متصاعدة تؤثر مباشرة على الأسر، مشيرةً إلى أن أحدث تقارير مركز الإحصاء الإيراني أظهرت ارتفاع مؤشر أسعار السلع الاستهلاكية في نوفمبر بنحو 50% مقارنة بالعام السابق، فيما بلغ معدل التضخم السنوي نحو 40.4%، ما يعكس تراجع القدرة الشرائية للمواطنين.

وفي خطوة إضافية، فرضت الحكومة ضوابط ورسومًا جديدة، منها رفع أسعار الوقود في محطات البنزين للسائقين الذين يستهلكون أكثر من 160 لترًا شهريًا، مؤكدًة حجم التحديات الاقتصادية التي تواجه الأسر.

أما من الناحية البنيوية، فأوضحت الباحثة أن منطقة مكران تحتاج إلى بنية تحتية ضخمة تشمل شبكات مياه وكهرباء وطرق ومطارات وموانئ وشبكات مواصلات، ما يجعل تنفيذ المشروع دون تمويل خارجي أو مخصصات حكومية هائلة شبه مستحيل.

 الفئات المستفيدة اقتصاديًا

وأشارت جبريل إلى أن الشركات الكبرى في قطاع المقاولات والهندسة ستكون الأكثر استفادة من عقود البناء والبنية التحتية، بالإضافة إلى الفاعلين الاقتصاديين في الجنوب الإيراني، لا سيما في مجالات الموانئ واللوجستيات والخدمات.

كما أن المؤسسات شبه الحكومية المرتبطة بمراكز النفوذ ستحصل عادة على أكبر حصة من العوائد، بينما من المرجح أن يستفيد السكان المحليون بشكل محدود، وفق التجارب السابقة في المشاريع الضخمة داخل إيران.

الأبعاد الأمنية لمكران

حول اختيار منطقة مكران، لفتت جبريل إلى أن الموقع يطل على بحر عمان والمحيط الهندي، بعيدًا عن مناطق التوتر الحدودية مثل العراق والخليج، ما يجعله موقعًا استراتيجيًا لتعزيز الوجود البحري وربط البلاد مباشرة بالمحيط.

مع ذلك، حذرت الباحثة من أن المنطقة لا تزال حساسة أمنيًا وتواجه تحديات اجتماعية واقتصادية، ما يجعل نقل العاصمة إليها مخاطرة معقدة. وأشارت إلى أن المشروع لا يبدو موجهًا مباشرة لمواجهة إسرائيل، لكن الطريق إلى مكران يحمل أبعادًا أمنية وجيوسياسية قد تؤثر بشكل غير مباشر على موازين النفوذ الإقليمي.

موقف الحرس الثوري

وبشأن الحرس الثوري الإيراني، قالت جبريل إنه لا يوجد موقف رسمي معلن، لكن يمكن الاستنتاج أن الحرس سيستفيد اقتصاديًا من أي مشروع ضخم نظرًا لنفوذه في قطاع المقاولات والبنية التحتية. كما أن نقل مركز الحكم إلى الجنوب يعزز الدور الأمني للحرس، لكنه لا يضمن دعمًا مطلقًا أو معارضة كاملة، إذ أن المشروع ما زال في مرحلة الدراسة ولم يتخذ قرار نهائي بعد.

التعاون الدولي

أما بالنسبة للشركاء الدوليين، قالن الباحثة إنه لا توجد إعلانات رسمية عن أي اتفاق مالي أو هندسي مع الصين أو روسيا يخص نقل العاصمة، لكنها أشارت إلى احتمال وجود مشاورات غير معلنة، خاصة إذا كانت الحكومة تبحث عن تمويل خارجي لإنشاء المدينة الحكومية الجديدة.

السيناريوهات المحتملة

وأوضحت جبريل أن السيناريو الأكثر احتمالًا في المدى القصير هو إنشاء مركز إداري–اقتصادي موازٍ في مكران، مع نقل بعض الوزارات والمؤسسات الحكومية، بينما تبقى طهران العاصمة السياسية.

ويتيح هذا السيناريو تقليل التكاليف وإظهار الإرادة السياسية دون الدخول في مشروع ضخم وغير قابل للتمويل بسهولة.

أما السيناريو متوسط المدى، فيتمثل في النقل التدريجي للبنية الإدارية على مدى 10–20 سنة، وهو خيار يحتاج لاستقرار سياسي ومالي كبير. بينما يبقى النقل الكامل والسريع الأقل احتمالًا في ظل الوضع الاقتصادي الحالي لإيران.

وختمت جبريل حديثها بالإشارة إلى وجود دوافع غير معلنة وراء المشروع، تشمل تفكيك التركيز الشديد للسلطة في طهران، وخلق فرص اقتصادية للمؤسسات الكبرى، وتحويل الجنوب الإيراني إلى مركز استراتيجي في مواجهة التحولات الإقليمية والدولية، لا سيما مع موقعه القريب من المحيط الهندي.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى