
تشهد العلاقات بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي تحولاً دراماتيكياً نحو الانهيار، بعد سلسلة من التوترات التي بلغت ذروتها في مكالمة هاتفية متوترة أجراها الزعيمان في 17 يونيو 2025.
وفقاً لتقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز”، أدت تصريحات ترامب المتكررة حول دوره في “حل” النزاع العسكري بين الهند وباكستان إلى إغضاب مودي بشكل كبير، مما أثر على الروابط الشخصية والدبلوماسية بينهما، التي كانت وثيقة خلال الفترة الأولى لترامب في السلطة.
يعود هذا النزاع إلى أكثر من 75 عاماً، وهو أكثر تعقيداً من التصوير البسيط الذي يقدمه ترامب، حيث يتعلق بقضايا إقليمية حساسة مثل كشمير.
خلال المكالمة الهاتفية التي استمرت 35 دقيقة، أعاد ترامب التأكيد على فخره بإنهاء التصعيد العسكري الذي وقع في مايو 2025، والذي شهد قتالاً عنيفاً لأربعة أيام بين القوتين النوويين بعد هجوم إرهابي في كشمير أسفر عن مقتل 26 شخصاً.
أطلقت الهند عملية “سندور” كرد فعل، مستهدفة بنى تحتية إرهابية في باكستان وكشمير الخاضعة لسيطرتها. أعلن ترامب أن باكستان سترشحه لجائزة نوبل للسلام، وهو أمر كان يروج له علناً، وكان التلميح غير المباشر واضحاً بأن مودي يجب أن يفعل الشيء نفسه. ومع ذلك، رد مودي بغضب شديد، مؤكداً أن وقف إطلاق النار تم بين الهند وباكستان مباشرة عبر قنوات عسكرية، دون أي تدخل أمريكي، وأن طلب التهدئة جاء من الجانب الباكستاني.
تجاهل ترامب هذه التعليقات إلى حد كبير، لكن الخلاف حول الاعتراف بدور واشنطن، بالإضافة إلى رفض الهند ترشيح ترامب لجائزة نوبل، أدى إلى تدهور العلاقة بشكل ملحوظ. لم يتحدث الزعيمان منذ ذلك الحين، وفقاً لمصادر مطلعة.
خلفية النزاع ودور ترامب المتنازع عليه
بدأ التصعيد في مايو 2025 بعد هجوم إرهابي في بهالغام بكشمير، مما دفع الهند إلى إطلاق عملية عسكرية. تدخلت الولايات المتحدة دبلوماسياً، حيث أجرى نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو اتصالات مع الجانبين، مما ساهم في وقف القتال في 10 مايو.
أعلن ترامب أن الولايات المتحدة استخدمت الضغط التجاري لإجبار الطرفين على التوقف، وقال إنه “منع حرباً نووية”، وكرر هذا الادعاء أكثر من 40 مرة في خطاباته العامة.
أما الهند، فقد نفت أي دور وساطة أمريكية، مشددة على أن الاتفاق كان ثنائياً، ووصف مسؤولون هنديون الادعاءات الأمريكية بأنها “غير دقيقة”.
في المقابل، أعلنت باكستان في يونيو 2025 أنها سترشح ترامب لجائزة نوبل لعام 2026، مشيدة بدوره في “التخفيف من التوترات”، مما أثار غضب نيودله التي رأت في ذلك محاولة للتشويه.
كانت المكالمة جزءاً من محادثات أوسع بعد قمة مجموعة السبع في كندا، حيث كان من المقرر أن يلتقي ترامب ومودي، لكن ترامب غادر باكراً.
دعا ترامب مودي إلى زيارة واشنطن، لكن الهند رفضت خوفاً من أن يُجبر مودي على لقاء قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، الذي استضافه ترامب في البيت الأبيض لاحقاً. هذا اللقاء أثار جدلاً في الهند، حيث اعتبرته نيودله منح شرعية لـ”الإرهاب” الباكستاني.
التصعيد التجاري والدبلوماسي
أدى الخلاف إلى تأثيرات اقتصادية وسياسية عميقة. بعد أسابيع قليلة من المكالمة، فاجأ ترامب الهند بفرض تعريفة جمركية بنسبة 25% على الواردات الهندية، ثم أضاف 25% أخرى يوم الأربعاء الماضي بسبب شراء الهند نفطاً روسياً، ليصل الإجمالي إلى 50%.
هذه الرسوم تستهدف قطاعات رئيسية مثل المنسوجات والجواهر والجمبري والجلود، مما يهدد الصادرات الهندية ويضرب اقتصادها.
أعلنت الهند رسمياً انسحابها من المحادثات التجارية، رغم أن مودي وصف ترامب سابقاً بـ”الصديق الحقيقي”. يرى محللون أن هذه التعريفات ليست جزءاً من سياسة عامة لتقليل العجز التجاري أو قطع التمويل لروسيا، بل عقاب شخصي لرفض مودي “الانصياع”، خاصة أن الصين – أكبر مشترٍ للنفط الروسي – لم تُستهدف بنفس الشدة.
على الصعيد الدبلوماسي، ألغى ترامب خططه لزيارة الهند في الخريف للمشاركة في قمة الرباعية (Quad)، رغم إعلانه السابق عن ذلك.
في الهند، أصبح ترامب مصدر إحباط وطني، حيث عرضت دمى عملاقة له في مهرجان في ولاية ماهاراشترا مع لافتات تتهمه بالخيانة، ووصف مسؤول هندي الضغوط الأمريكية بـ”gundagardi”، أي التنمر أو البلطجة.
كما أدت التوترات إلى إجراءات أخرى مثل تشديد قواعد التأشيرات الطلابية، وفحص أكثر صرامة للحاملين تأشيرات H-1B، وترحيل مهاجرين هنديين غير شرعيين، مما أدى إلى انخفاض فيزيائي بنسبة 8% في السفر الهندي إلى الولايات المتحدة في يونيو 2025 مقارنة بالعام السابق.
التقارب مع خصوم أمريكا وفشل الاستراتيجية الهندية
مع تصاعد التوترات، يبدو أن الهند تتجه نحو تقارب مع خصوم واشنطن في بكين وموسكو. من المتوقع أن يزور مودي الصين نهاية هذا الأسبوع للقاء الرئيس شي جين بينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في خطوة تشير إلى تحول دبلوماسي شرقي.
هذا يأتي في وقت يُنظر فيه إلى ترامب كـ”مصدر إذلال” في بعض الأوساط الهندية، خاصة أن مودي فاز بولايته الثالثة على وعد بتحويل الهند إلى قوة عالمية.
لم يتوقع الكثيرون في الهند هذا الوضع، إذ اعتمد مودي على علاقاته الشخصية مع ترامب – التي شملت تجمعات مثل “هودي مودي” في تكساس خلال الفترة الأولى – لتعزيز المصالح الهندية.
ومع ذلك، يركز ترامب على الولاءات الشخصية أكثر من الاستراتيجية الجيوسياسية، وطلب مودي الاعتراف بدوره في وقف إطلاق النار مع باكستان – دولة أضعف – سيكون مكلفاً سياسياً داخلياً، حيث تعتمد صورة مودي القوية على صرامته تجاه إسلام آباد. الاعتراف بترامب، ناهيك عن ترشيحه لنوبل، سيُعتبر استسلاماً، مما يهدد هويته السياسية. أما باكستان، فقد استفادت سريعاً من رضا ترامب، بما في ذلك صفقة استكشاف نفط.
يقول المحللون إن التصلب الهندي يعكس تركيز السلطة في الهند على حماية صورة مودي كرجل قوي بأي ثمن. وأوضحت تانفي مادان، زميلة بارزة في معهد بروكينغز، أن فكرة قبول مودي وقف إطلاق النار تحت ضغط أمريكي “لا تتوافق مع شخصيته فحسب، بل مع الممارسات الدبلوماسية الهندية أيضاً”.
أضافت أن مودي روّج لعلاقاته مع رؤساء أمريكا كرصيد استراتيجي، لكن المعارضة الآن تصف صداقته مع ترامب بعبء. هذا الانهيار يهدد الشراكة الاستراتيجية بين أكبر ديمقراطيتين في العالم، التي بنيت على مدى عقود لمواجهة النفوذ الصيني في المحيط الهادئ الهندي.
في النهاية، يبدو أن طموح ترامب لجائزة نوبل اصطدم بـ”الخط الأحمر” الهندي في النزاع مع باكستان، مما أدى إلى فشل سياسي لمودي في الحفاظ على توازن علاقاته الدولية، ودفع الهند نحو خيارات جديدة في أسواقها وتحالفاتها.