تحليل الاحتجاجات الشعبية في إندونيسيا 2025: تأثير الفساد البرلماني والسياسات الاقتصادية على الحراك الاجتماعي

تشهد إندونيسيا حاليًا، في أغسطس 2025، أكبر موجة احتجاجات شعبية منذ تولي الرئيس برابوو سوبيانتُو المنصب في أكتوبر 2024، حيث بدأت التظاهرات سلمية في العاصمة جاكرتا وانتشرت إلى مدن أخرى مثل باندونغ، سورابايا، مكاسار، ميدَان، يوغياكارتا، وسولُو.
هذه الاحتجاجات، التي تجمع آلاف الطلاب، العمال، سائقي الدراجات النارية، والناشطين، تحولت تدريجيًا إلى أعمال عنف بعد الكشف عن امتيازات مالية فاحشة لأعضاء البرلمان، بالإضافة إلى سياسات اقتصادية قاسية وإجراءات شرطية عنيفة، بما في ذلك مقتل شاب في حادث مأساوي.
وفقًا لتقارير إعلامية دولية ومحلية، أسفرت الاشتباكات عن عشرات الإصابات، مئات الاعتقالات، وحرق مبانٍ حكومية، مما يُعد أول اختبار كبير لاستقرار حكومة برابوو.
فيما يلي تفاصيل شاملة عن الأحداث، الأسباب، والتطورات، مستندة إلى مصادر موثوقة مثل رويترز، الغارديان، الجزيرة، بالإضافة إلى تغريدات على منصة إكس (تويتر سابقًا) تعكس الغضب الشعبي.
خلفية الاحتجاجات وتسلسل الأحداث
بدأت الاحتجاجات في أوائل أغسطس 2025 كموجة ثالثة من الاضطرابات المدنية في إندونيسيا هذا العام، بعد موجتين سابقيتين في فبراير ومارس ضد تعديلات في قانون القوات المسلحة الإندونيسية، التي سمحت للعسكريين بالاحتلال مناصب مدنية أكثر (من 10 إلى 14 منصبًا).
كانت الشرارة الأولى في 10-13 أغسطس في مقاطعة باتي بوسط جاوة، حيث احتج آلاف السكان على اقتراح زيادة ضريبة الأراضي والمباني بنسبة 250% (PBB-P2)، مما أدى إلى إصابة عشرات واعتقال المئات. انتشرت الاحتجاجات إلى مناطق أخرى في جاوة وسولاويسي، مع حرق إطارات واشتباكات مع الشرطة.
الذروة جاءت في 25 أغسطس في جاكرتا، حيث تجمع آلاف المتظاهرين أمام مبنى البرلمان (مجلس النواب الإندونيسي – DPR) للاحتجاج على بدل السكن الشهري الذي يصل إلى 50 مليون روبية (حوالي 3,075 دولار أمريكي)، وهو ما يعادل 10 أضعاف الحد الأدنى للأجور في جاكرتا و20 ضعفًا في المناطق الفقيرة.
كان المتظاهرون، معظمهم طلاب وعمال يرتدون ملابس سوداء، يحملون لافتات تطالب بإنهاء “النخب الفاسدة” ورفع الحد الأدنى للأجور مع التضخم. استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع والمدافع المائية لتفريق الحشود، مما أدى إلى إلقاء حجارة وإشعال ألعاب نارية من قبل المتظاهرين، وحرق دراجة شرطة واحدة على الأقل. نشرت الشرطة 1,250 عنصرًا أمنيًا، ولم يُبلغ عن إصابات فورية، لكن الاشتباكات أدت إلى إغلاق طرق وازدحام مروري شديد.
في 28 أغسطس، أجرت نقابات العمال احتجاجًا منفصلاً، أدى إلى اتفاق حكومي على تشكيل لجنة لمواجهة الطرد الجماعي ومجلس رفاهية العمال. لكن في الليلة نفسها، أثناء تفريق حشد أمام البرلمان، دفع مركبة شرطة مدرعة (من وحدة البريموب – الشرطة الباراميليتارية) في المتظاهرين، مما أسفر عن مقتل سائق دراجة نارية يدعى أفان كورنياوَان (21 عامًا)، الذي كان يقوم بتوصيل طعام عبر تطبيقات مثل غوجيك وغراب.
أظهرت فيديوهات انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي أن المركبة توقفت بعد الاصطدام ثم استمرت في السير، مسحقة الشاب تحت عجلاتها، وسط محاولات الحشود لضرب السيارة بحجارة. أثار هذا الحادث صدمة وطنية، واعتقلت الشرطة سبعة أعضاء من البريموب، مع اعتذار الرئيس برابوو وأمر بتحقيق شفاف.
في 29 أغسطس، اندلعت احتجاجات واسعة في جاكرتا ومدن أخرى، حيث تجمع مئات أمام مقر الشرطة وأحرقوا سيارات شرطة ومبانٍ حكومية، بما في ذلك مبنى البرلمان الإقليمي في باندونغ ومكاسار. في جاكرتا، حاول المتظاهرون اقتحام مقر البريموب، مما أدى إلى إطلاق غاز مسيل للدموع ومدافع مائية، وحرق مبنى خمسة طوابق قرب المقر، مما حاصر عدة أشخاص داخلًا.
أغلقت المدارس مبكرًا، وطُلب من البنوك العمل عن بعد، ونشر الجيش في بعض المناطق. في مكاسار، أحرق المتظاهرون مبنى البرلمان الإقليمي، مما أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص (اثنان في الموقع وواحد في المستشفى) وإصابة خمسة آخرين بحروق أو كسور أثناء القفز من المبنى.
انتشرت الاحتجاجات إلى سورابايا (حيث اقتحم المتظاهرون مقر الشرطة الإقليمي)، يوغياكارتا، سولُو، ميدَان، وبنغكولو، مع حرق سيارات وإطارات، وتدمير بنى تحتية مثل إشارات المرور وكاميرات المراقبة.
بحلول 30 أغسطس، هدأت الاحتجاجات نسبيًا في جاكرتا بعد أمطار غزيرة، لكنها استمرت في مناطق أخرى مثل مانهَدوِي في بابوا الشرقية.
أعلن الرئيس برابوو عن استدعاء قائد الجيش وقائد الشرطة لتقييم الأمن، وأمر بإجراءات صارمة ضد “الأعمال الأناركية”، مع تعبيره عن صدمته من “التصرفات الزائدة” للشرطة. أصدر رئيس البرلمان بوان ماهاراني بيان اعتذار نيابة عن النواب، معبرة عن “قلق عميق” من العنف.
وفقًا للجنة الحقوق الإنسانية الوطنية (Komnas HAM)، اعتقلت الشرطة نحو 951 شخصًا في جاكرتا وحدها، وأصيب 25 شرطيًا بجروح خطيرة، بينما أبلغت منظمة العفو الدولية عن استخدام قوة مفرطة، بما في ذلك نشر وحدات مكافحة الإرهاب في التعامل مع الاحتجاجات.
الأسباب الرئيسية للاحتجاجات
تأتي هذه الاحتجاجات نتيجة تراكمات اقتصادية وسياسية واجتماعية، مع التركيز على التباين الشديد بين رفاهية النخبة الحكومية ومعاناة الشعب. إليك التفاصيل الموسعة للأسباب المذكورة في الرسالة الأصلية، مدعومة ببيانات:
1. امتيازات النواب: الكشف في أغسطس 2025 عن أن 580 عضوًا في مجلس النواب يحصلون على بدل سكن شهري قدره 50 مليون روبية (حوالي 3,000-3,075 دولار)، بالإضافة إلى رواتب تصل إلى 100 مليون روبية شهريًا، أثار غضبًا هائلاً.
هذا البدل، الذي أُدخل في سبتمبر 2024، يُعتبر 10 أضعاف الحد الأدنى للأجور في جاكرتا (حوالي 5 ملايين روبية) و20 ضعفًا في المناطق الريفية. المتظاهرون يرونه رمزًا للفساد المنتشر، خاصة مع اتهامات بأن النواب والشرطة “فاسدون على نطاق واسع” في بلد يعاني من الفساد الوبائي.
أدى ذلك إلى مطالب بإذابة البرلمان وتقليص الرواتب، مع انتقاد تصريحات نواب مثل نافا أورباخ (التي اعتذرت لاحقًا) وأحمد ساهروني (الذي وصف المتظاهرين بـ”الأغبياء” وفُصل من منصبه).
2. سياسات التقشف: تحت حكم برابوو، الذي وعد بنمو اقتصادي 8% سنويًا، نفذت الحكومة إجراءات تقشف صارمة لجذب الاستثمارات، بما في ذلك خفض الإنفاق على التعليم، الصحة، والأعمال العامة. يقدر البنك الدولي نمو الاقتصاد بنسبة 4.8% فقط بين 2025-2027، أقل بكثير من الوعود.
هذا أدى إلى تقليص الخدمات العامة، مع زيادة الاعتماد على الضرائب، مما يُنظر إليه كعبء إضافي على الفقراء. المتظاهرون يطالبون برفع الحد الأدنى للأجور مع التضخم وإنهاء السياسات التي تفيد “الكونغلوميرات والعسكر”.
3. الضغوط الاقتصادية: ارتفاع الأسعار بنسبة 3-5% سنويًا، خاصة الغذاء والتعليم، مع بطالة مرتفعة وطرد جماعي لآلاف العمال بسبب الركود.
الزيادة المقترحة في ضريبة العقارات بنسبة 250% في باتي ومناطق أخرى، نتيجة خفض التمويل المركزي، أثارت احتجاجات أولية. كما يعاني السكان من ارتفاع تكاليف المعيشة، مع أجور منخفضة لا تكفي لمواجهة التضخم، مما يجعل الحياة “مستحيلة” للكثيرين، خاصة في بلد يبلغ عدد سكانه 280 مليون نسمة.
4. الحادثة المأساوية: مقتل أفان كورنياوَان، سائق دراجة نارية يبلغ 21 عامًا، في 28 أغسطس، أشعل الغضب الشعبي. كان أفان يقوم بتوصيل طعام عندما اصطدمت به مركبة شرطة مدرعة أثناء تفريق المتظاهرين.
انتشرت الفيديوهات على وسائل التواصل، مما أثار حملات “قاتل! قاتل!” ومطالبات بإصلاح الشرطة. الرئيس برابوو زار عائلة أفان واعتذر، لكن المتظاهرين يرونها جريمة رمزية للقمع الشرطي المزمن، بما في ذلك استخدام وحدات مكافحة الإرهاب في الاحتجاجات.
5. تصاعد الأحداث: تحولت التظاهرات إلى أزمة وطنية مع حرق مبانٍ حكومية (مثل مقر الشرطة في جاكرتا ومباني برلمانية في باندونغ ومكاسار)، تدمير سيارات، ونهب متاجر في مناطق مثل سينين.
في 29 أغسطس، أحرق المتظاهرون سيارات شرطة وأطلقوا ألعاب نارية، مما أدى إلى إصابات واعتقالات. على إكس، انتشرت تغريدات تتهم الحكومة بقمع حرية الصحافة، مثل تعطيل بث مباشر على تيك توك، مع دعوات للانتباه الدولي. منظمات مثل أمنستي إنترناشونال حذرت من “قوة مفرطة” وطالبت بإطلاق سراح المعتقلين.
الاحتجاجات في إندونيسيا هي انفجار لتراكمات اقتصادية (تضخم، بطالة، ضرائب مرتفعة)، سياسية (فساد النواب، تقشف حكومي)، واجتماعية (قمع شرطي)، مع الشرارة الكبرى من امتيازات البرلمان ومقتل أفان كورنياوَان.
أسفرت عن 4 قتلى على الأقل (بما في ذلك 3 في حريق مكاسار)، مئات الإصابات، وأكثر من 1,000 اعتقال، مع مخاوف من تصعيد إذا لم تُلبَ المطالب مثل إصلاح الشرطة وتقليص الامتيازات.
الرئيس برابوو يواجه أكبر تحدٍّ له، مع انتقادات لدوره العسكري السابق في زيادة نفوذ الجيش في الحياة المدنية. على إكس، يُشار إلى أن الاحتجاجات تعكس “ثورة حقيقية” ضد النظام، مع رموز مثل علم “ون بيس” كرمز للمقاومة.
الحكومة تعهدت بتحقيقات، لكن الغضب الشعبي مستمر، مما قد يؤثر على الاستقرار السياسي في أكبر اقتصاد جنوب شرق آسيا.