تقارير

تركيا تقطع علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع إسرائيل وتغلق مجالها الجوي أمام طائراتها

في تطور دراماتيكي يعكس تصعيداً في التوترات الإقليمية، أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، يوم الجمعة 29 أغسطس 2025، عن قرار حاسم يقضي بقطع جميع العلاقات الاقتصادية والتجارية مع إسرائيل بشكل كامل، بالإضافة إلى إغلاق المجال الجوي التركي أمام الطائرات الإسرائيلية.

جاء هذا الإعلان خلال جلسة استثنائية للبرلمان التركي خُصصت لمناقشة تطورات الأوضاع في قطاع غزة، حيث وصف فيدان الإجراءات الإسرائيلية بأنها “مجازر جماعية” و”سياسة تجويع وحشية” تهدف إلى احتلال كامل للقطاع وطرد سكانه، مع تجاوز الانتهاكات إلى مناطق أخرى مثل القدس، الضفة الغربية، سوريا، إيران، ولبنان.

السياق التاريخي للعلاقات التركية الإسرائيلية

تركيا كانت أول دولة ذات أغلبية مسلمة تعترف بإسرائيل في مارس 1949، وشهدت العلاقات بين البلدين فترات من التعاون الوثيق في مجالات الدبلوماسية، العسكرية، والتجارية، خاصة خلال الثمانينيات والتسعينيات.

بلغ حجم التجارة الثنائية في 2023 نحو 7 مليارات دولار أمريكي، حيث كانت تركيا خامس أكبر مصدر لإسرائيل، مع تركيز على الصادرات مثل المنسوجات، الآلات، والمنتجات الزراعية.

ومع ذلك، تدهورت العلاقات تدريجياً بسبب الصراع الفلسطيني، ووصلت إلى ذروتها بعد هجوم “طوفان الأقصى” في أكتوبر 2023 وحرب غزة، حيث أدانت تركيا إسرائيل بشدة ودعمت حركة حماس دبلوماسياً.

في مايو 2024، أعلنت تركيا وقفاً جزئياً للتبادل التجاري، لكن الإجراءات الجديدة في 2025 تمثل تصعيداً كاملاً.

وفقاً لتقارير، فإن تركيا أوقفت التعاملات التجارية بالفعل منذ بداية الحرب على غزة، لكن الإعلان الرسمي يأتي الآن لتأكيد الالتزام بهذا الوقف، مع إضافة قيود بحرية وجوية.

كما أن هناك إجراءات غير معلنة سابقة، مثل منع السفن التركية من الرسو في الموانئ الإسرائيلية، وطلب تعهدات خطية من وكلاء الشحن بعدم ارتباط السفن بإسرائيل أو شحنات عسكرية موجهة إليها.

 تفاصيل الإعلان والإجراءات الجديدة

– قطع العلاقات الاقتصادية والتجارية: أكد فيدان أن “قررنا قطع العلاقات الاقتصادية والتجارية مع إسرائيل بالكامل”، مما يشمل حظراً تاماً على الاستيراد والتصدير. هذا يعني إغلاق النظام الجمركي التركي أمام الشركات الإسرائيلية، ومنع أي تبادل تجاري مباشر أو غير مباشر.

في السابق، كانت تركيا تسمح ببعض الشحنات تحت غطاء “دولة فلسطين”، لكن الآن يُمنع ذلك تماماً، مما يؤثر على قطاعات مثل الطاقة (بما في ذلك النفط الأذربيجاني الذي كان يمر عبر تركيا إلى إسرائيل) والتكنولوجيا

– إغلاق المجال الجوي: أغلقت تركيا أجواءها أمام الطائرات الإسرائيلية، مما يجبر الرحلات الإسرائيلية على اتخاذ مسارات أطول وأغلى، خاصة للرحلات إلى أوروبا. هذا الإجراء يُعد خطوة رمزية وعملية، حيث كانت الطائرات الإسرائيلية تستخدم الأجواء التركية بانتظام.

– القيود البحرية: أصدرت سلطات الموانئ التركية تعليمات شفهية ومكتوبة تطلب من وكلاء الشحن تقديم تعهدات بعدم ارتباط السفن بإسرائيل.

السفن التي ترفع العلم التركي ممنوعة من الرسو في الموانئ الإسرائيلية، وأي سفينة أجنبية مرتبطة بشركات إسرائيلية محظورة من الدخول إلى الموانئ التركية. هذا يشمل حتى الشحنات المخصصة للسلطة الفلسطينية إذا كانت تمر عبر إسرائيل.

فيدان أضاف أن هذه الإجراءات تأتي ردّاً على “الدعم الأمريكي غير المحدود” لإسرائيل، و”عجز النظام العالمي” عن وقف المجازر، محذّراً من أن السياسات الإسرائيلية تهدف إلى “إدخال المنطقة في فوضى” و”القضاء على حل الدولتين”.

كما أكد استمرار المساعي التركية مع قطر ومصر لإيجاد “حل جذري” للقضية الفلسطينية، ورفض أي خطة لترحيل الفلسطينيين من غزة، معتبراً أن “المقاومة الفلسطينية ستغيّر مجرى التاريخ وتهز أركان نظام مهترئ”.

 الأسباب الرئيسية وراء القرار

الإعلان يأتي في سياق تصعيد إسرائيلي في غزة، حيث أقر مجلس الوزراء الإسرائيلي في أغسطس 2025 خطة للسيطرة العسكرية التدريجية على القطاع بالكامل، مع اتهامات بـ”سياسة التجويع” و”الاحتلال الكامل”. كما يرتبط القرار بتوترات أوسع، بما في ذلك:

– العدوان على سوريا: تركيا ترى في التدخلات الإسرائيلية تهديداً لمصالحها في سوريا، خاصة بعد إسقاط نظام الأسد في ديسمبر 2024 ودعم أنقرة للحكومة السورية الجديدة. فيدان أكد أن “إسرائيل لا تريد دولة سورية قوية”، وأن تركيا لن تسمح بـ”السياسات التوسعية” الإسرائيلية.

– التوتر مع إيران ولبنان: حذّر فيدان من أن التوترات الإسرائيلية-الإيرانية تهدد “أمن المنطقة بأكملها”، مع اقتحامات للمسجد الأقصى من قبل مستوطنين ووزراء متطرفين إسرائيليين.

– الضغط الداخلي والدولي: يأتي القرار وسط احتجاجات داخلية في تركيا ضد إسرائيل، ودعم دولي متزايد لحل الدولتين. كما أن تركيا تسعى لتعزيز دورها كوسيط إقليمي، مع رفضها لأي تطبيع مع إسرائيل.

بعض المصادر تشير إلى أن القرار مرتبط أيضاً بضربات إسرائيلية لمواقع تجسس تركية في سوريا، مما يجعله تصعيداً دفاعياً أكثر من كونه ردّاً بحتاً على غزة.

 التأثيرات المتوقعة

-على إسرائيل: يُتوقع ارتفاع تكاليف الشحن والطيران، وزيادة غلاء المعيشة بنسبة تصل إلى 5-10% في بعض القطاعات، خاصة الواردات من تركيا التي تشكل 5% من إجمالي واردات إسرائيل.

رئيس اتحاد غرف التجارة الإسرائيلية شاحر ترجمان وصف القرار بأنه “ضد مصلحة التجار في الجانبين”، لكنه أشار إلى أن إسرائيل وجدت بدائل في 2024. ومع ذلك، قد يؤدي إلى ارتباك في سلسلة التوريد، خاصة للنفط الأذربيجاني الذي كان يمر عبر تركيا بنسبة 40% من احتياجات إسرائيل.

– على تركيا: الاقتصاد التركي، الذي يعاني من التضخم، قد يتأثر بفقدان 2.86 مليار دولار من الصادرات إلى إسرائيل في 2024، لكن الحكومة تراهن على دعم داخلي قوي وتوجيه التجارة نحو أسواق أخرى مثل الخليج والصين.

بعض المنشورات على منصة إكس (تويتر) تشكك في التنفيذ الكامل، مشيرة إلى استمرار بعض الشحنات غير المباشرة، لكن الإجراءات الجديدة تبدو أكثر شمولاً.

– على المنطقة: يُعد القرار ضغطاً إضافياً على إسرائيل، وقد يشجع دولاً أخرى مثل مصر والأردن على تعزيز المقاطعة. كما يعزز من دور تركيا كقوة إقليمية معادية للتطبيع، وسط مخاوف من حرب أوسع تشمل سوريا وإيران. في غزة، أثار الإعلان ترحيباً، حيث يُرى كدعم عملي للفلسطينيين.

ردود الفعل

– في تركيا: رحّب البرلمان بالقرار، مع تصريحات من نائب رئيس الوزراء فؤاد أوقويولموش بأن “القضية الفلسطينية هي قضية تركيا”، ودعوة لتعليق عضوية إسرائيل في المنظمات الدولية.

– في إسرائيل: مسؤولون إسرائيليون شككوا في التنفيذ، مشيرين إلى تجارب سابقة حيث استمرت العلاقات رغم الإعلانات. وزير الأمن إيتمار بن غفير رد بسخرية، نشراً صورة لأردوغان مع قادة حماس.

– دولياً: أشادت دول عربية وإسلامية بالقرار، بينما حذّرت صحف إسرائيلية مثل “جيروزالم بوست” من “تأثيره على الاستقرار الإقليمي”.

على منصة إكس، انتشرت مناقشات حول “النفاق التركي” بسبب علاقات سابقة، لكن الكثير رحّب بالخطوة كـ”ضربة موجعة”.

هذا القرار يمثل تحولاً في السياسة التركية، لكنه يثير تساؤلات حول استدامته وسط الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى