من التنافس إلى التعاون: هل يغير التقارب المصري التركي خريطة الصناعات الدفاعية في المنطقة؟
هدير البحيري

في خطوة تعزز التعاون الدفاعي بين القاهرة وأنقرة، وقعت شركة “هافيلسان” التركية للصناعات الدفاعية مع الهيئة العربية للتصنيع في مصر اتفاقية شراكة استراتيجية لإنتاج طائرات مسيّرة بقدرات إقلاع وهبوط عمودي (VTOL-İHA) في القاهرة. كما شمل الاتفاق بدء تجميع وإنتاج مركبات غير مأهولة (UGV) في المصانع المصرية.
ويُمثل الاتفاق الموقع في القاهرة نقلة نوعية في مسار التعاون الصناعي العسكري بين مصر وتركيا.
أكد السفير التركي لدى القاهرة، صالح موتلو شن، أن الاتفاق يمنح العلاقات الثنائية زخمًا جديدًا وفعالًا، مضيفًا أنه يمثل علامة فارقة في مسار التعاون الصناعي والدفاعي بين البلدين.
وقال في منشور على منصة “إكس” إن هذه المبادرة تعكس الثقة المتنامية والتآزر بين أنقرة والقاهرة في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والتصنيع الدفاعي.
من جانبه، وصف الفريق مختار عبد اللطيف، رئيس الهيئة العربية للتصنيع، الاتفاق بأنه قفزة مهمة نحو تعزيز الاستقلالية التكنولوجية وتوطين أحدث التكنولوجيات داخل المصانع المصرية، مشيرًا إلى أنه يفتح الباب أمام فرص واسعة للتصدير إلى الأسواق الإفريقية والعربية.
وأكد عبد اللطيف أن الهيئة تسعى عبر هذه الشراكة إلى جذب الاستثمارات العالمية بما يتماشى مع رؤية مصر للتنمية المستدامة 2030.
أما المدير العام لشركة “هافيلسان”، محمد عاكف نجار، فقد أوضح أن المشروع سيُتيح حلولًا متطورة في مجال الطائرات المسيّرة ذاتية القيادة، ومناسبة لاحتياجات السوقين المصري والأفريقي، وبأسعار تحقق معادلة الأداء العالي مقابل التكلفة المناسبة.
وأكد أن التعاون مع “قادر” للصناعات المتطورة التابع للهيئة العربية للتصنيع يشكل أساسًا لتوطين التكنولوجيا الدفاعية داخل مصر.
وبحسب موقع “الصناعات الدفاعية” التركي، فإن مذكرة التفاهم الموقعة في القاهرة تنص على التعاون لإنتاج الطائرة المسيّرة الحربية من طراز VTOL-UAV، ذات الإقلاع والهبوط العمودي، التي طورتها “هافيلسان” التركية.
وتستهدف الخطة نقل التكنولوجيا إلى مصنع “قادر” للصناعات المتطورة في مصر، مع تقديم دعم فني وترخيص كامل من الشركة التركية.
وتتميز الطائرة المسيّرة المتفق على إنتاجها بقدرات متقدمة في الاستطلاع والمراقبة، إذ يمكنها العمل في بيئات معقدة بفضل دمج أنظمة الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات بشكل لحظي، ما يجعلها مثالية لمهام عسكرية وأمنية كحماية الحدود وجمع المعلومات الاستخبارية.
وتُعد “هافيلسان” إحدى أبرز شركات الصناعات الدفاعية في تركيا، إذ تعمل تحت إشراف وزارة الدفاع ورئاسة الصناعات الدفاعية، وتختص بتطوير أنظمة القيادة والتحكم، والطائرات المسيّرة، والمركبات غير المأهولة، ومن منتجاتها المعروفة طائرة “باها” المسيّرة والمركبة البرية “براكان”.
وكانت الشركة قد وقعت بالفعل في مارس الماضي اتفاقية مع مصنع “قادر” لإنتاج مركبات أرضية غير مأهولة بترخيص ودعم فني تركي.
يتجاوز هذا التقارب الصناعي بين مصر وتركيا حدود الصناعات الدفاعية ليشمل ملفات استراتيجية أخرى تعكس حجم الانفتاح في العلاقات الثنائية. ففي مجال الصناعات العسكرية المتقدمة، تستعد القاهرة للانضمام إلى برنامج المقاتلة التركية من الجيل الخامس “قآن” كشريك صناعي، مع توقعات بتوقيع مذكرة تفاهم قبل نهاية العام الجاري، وهو ما يمنح مصر موقعًا مميزًا في مشاريع الصناعات الدفاعية المتطورة.
وعلى الصعيد الميداني، شهد شهر أبريل 2025 مشاركة ضباط مصريين لأول مرة بصفة رسمية في مناورات عسكرية خاصة نفذتها تركيا، مثل “أناضول كارتالي” و”إيفيس-2024″، بما يعكس انتقال التعاون الدفاعي بين البلدين من المستوى النظري إلى التطبيق العملي.
ولا يقتصر التعاون على المجال العسكري فقط، إذ اتفقت أنقرة والقاهرة على نشر وحدة عائمة لتخزين وتحويل الغاز الطبيعي (FSRU) في مصر، في خطوة تُعد بداية لشراكة أوسع في مجال أمن الطاقة الإقليمي. كما شمل التعاون قطاع النقل واللوجستيات، حيث تم توقيع اتفاق بقيمة 4.2 مليون دولار بين تركيا والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس لتطوير ساحات الحاويات، وهو ما يعزز من فرص البلدين في دعم سلاسل الإمداد والتجارة البحرية.
وفي مايو الماضي، انعقد أول اجتماع للحوار العسكري رفيع المستوى بين رئاستي الأركان المصرية والتركية، وتم الاتفاق خلاله على عقده بصفة سنوية لتعزيز التعاون في مجالات التدريب والصناعات الدفاعية.
ويأتي هذا التعاون في إطار إعادة بناء العلاقات المصرية–التركية بعد سنوات من القطيعة التي أعقبت عام 2013، العام الذي شهد سقوط حكم الإخوان في مصر وما تبعه من توتر حاد بين القاهرة وأنقرة استمر لأكثر من عقد.
وفي عام 2024، عقد الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره التركي رجب طيب أردوغان لقاءات رفيعة المستوى في القاهرة وأنقرة، أسفرت عن إعادة إحياء “المجلس الاستراتيجي للعلاقات الثنائية”، والتأكيد على تطلع البلدين إلى تعزيز التعاون العسكري، وخاصة في مجالات الصناعات الدفاعية والإنتاج المشترك.
يُنظر إلى الشراكة الدفاعية بين القاهرة وأنقرة باعتبارها منصة لإنتاج مشترك ونقل للتكنولوجيا يتيح حلولًا منخفضة التكلفة ومرتفعة الكفاءة للأسواق الإفريقية. كما تسهم في تعزيز القدرات التكنولوجية والأمنية لمصر والدول الإفريقية، في الوقت الذي تدعم فيه الاستراتيجية التركية لتوسيع نفوذها في قطاع الصناعات الدفاعية والأسواق العالمية.
وقال الباحث في الشؤون التركية أحمد حسن لـ”داي نيوز” إن أنقرة اختارت القاهرة كشريك دفاعي لأنها تمثل بوابة استراتيجية لإفريقيا والعالم العربي، ما يمنح الصناعات الدفاعية التركية فرصة للنفاذ إلى أسواق جديدة بغطاء سياسي واسع.
وأضاف أن تركيا تسعى أيضًا لتنويع شركائها بعد سنوات من الاعتماد على قطر وأذربيجان، خصوصًا مع الضغوط الغربية على قطاعها الدفاعي، معتبرًا أن مصر بما تملكه من جيش ضخم وسوق واسعة هي الشريك الأمثل.
وقال حسن إن الاتفاق بين مصر وتركيا يرسل عدة رسائل سياسية واضحة إلى الدول الإقليمية بعد سنوات من القطيعة والتوتر. أولها أن أنقرة والقاهرة قادرتان على تجاوز الخلافات التاريخية وإعادة بناء الثقة، ما يعكس رغبة البلدين في الانفتاح على شراكات استراتيجية جديدة. ثانيها، أن هذا التعاون يعزز مكانة مصر وتركيا كقوتين إقليميتين مستقلتين يمكنهما التأثير في موازين القوى بالمنطقة، خصوصًا في إفريقيا وشرق المتوسط.
ولفت حسن إلى أن الاتفاق يمثل أيضًا رسالة ضمنية إلى الأطراف الإقليمية الغربية والشرق أوسطية، مفادها أن التحالفات التقليدية ليست حكرًا على أي طرف، وأن القاهرة وأنقرة قادرتان على صياغة مسارات تعاون جديدة تعزز نفوذهما وتفتح أبوابًا للتنسيق الصناعي والدفاعي الإقليمي.
وأوضح حسن أن الاتفاق المصري–التركي قد يعيد تشكيل بعض ملامح العلاقة الدفاعية لمصر مع واشنطن وباريس، إذ يمنح القاهرة مزيدًا من الاستقلالية في قرار الشراء والتصنيع العسكري، ويقلل الاعتماد الكلي على الموردين التقليديين.
وأضاف أن ذلك لا يعني بالضرورة توتر العلاقات مع الولايات المتحدة وفرنسا، لكن القاهرة ستتمتع بقدرة أكبر على الموازنة بين شركائها الدفاعيين، ما يمنحها مرونة سياسية واستراتيجية أعلى في اتخاذ قراراتها الأمنية والاقتصادية.