من القصر إلى العزل.. واشنطن تكسر المحرمات وتعتقل مادورو في عقر داره
عملية أمريكية في قلب كاراكاس تطيح بالرئيس الفنزويلي وتخلط أوراق النفط والسياسة عالمياً

كتبت: شروق محمد
في تطور غير مسبوق أعاد رسم المشهد الجيوسياسي في أمريكا اللاتينية، أنهت الولايات المتحدة حكم الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو عبر عملية عسكرية خاطفة نفذت داخل العاصمة كاراكاس فجر الثالث من يناير 2026.
العملية، التي أسفرت عن نقل مادورو وزوجته إلى الولايات المتحدة، تجاوزت كونها إجراءً أمنياً محدوداً، لتشكل انعطافة حادة في مقاربات التدخل الدولي، وتضع المنطقة والعالم أمام مرحلة جديدة من الغموض الاستراتيجي، وسط تساؤلات متزايدة حول حدود السيادة وآفاق الاستقرار الإقليمي.
تبريرات واشنطن و ردود الأفعال
وصف ترامب العملية بأنها “انتصار حاسم لسيادة القانون”، مصرحًا في بيان مقتضب: «لقد قلنا إن فنزويلا لن تبقى ملاذاً آمناً لتجار المخدرات، وقد أوفينا بالوعد. هذا ليس تدخلاً، بل تنظيف لبؤرة إجرامية هددت نصف الكرة الغربي».
على الضفة الأخرى، كان الرد الفنزويلي عاصفاً. وزارة الدفاع، التي بدت تحت وقع الصدمة، وصفت ما جرى بـ «القرصنة الدولية والعدوان السافر الذي يهدم ميثاق الأمم المتحدة»، متوعدة بأن “السيادة لا تسقط بالتقادم”.
كما حذر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من “سابقة خطيرة تنسف قواعد القانون الدولي”، بينما اكتفت الصين بدعوة هادئة لـ “احترام سيادة الدول”. هذا التباين يعكس المخاوف العالمية من تحول “نموذج فنزويلا” إلى قاعدة جديدة تبيح اعتقال رؤساء الدول.
من إرث “تشافيز” إلى الهاوية
و بوصول مادورو إلى السلطة عام 2013، ورث زعامة كاريزمية من الراحل هوغو تشافيز، لكنه لم يرث الرخاء. شهد عقده الأخير تآكلاً ممنهجاً لمؤسسات الدولة، حيث استبدل البرلمان المنتخب بهياكل موازية، وتهاوت العملة المحلية أمام تضخم فلكي دفع الملايين نحو الهجرة، محولاً أغنى دولة نفطية في القارة إلى حالة إنسانية مستعصية.
ومع حلول عام 2024، كانت شرعية النظام قد تآكلت تماماً بفعل انتخابات مطعون في نزاهتها، وانقسام ضرب حتى المؤسسة العسكرية التي كانت يومًا “صمام الأمان” للنظام.
عندما يتكرر التاريخ
أعاد اعتقال مادورو إلى الأذهان حالات سابقة، أبرزها سقوط مانويل نورييغا في بنما ومحاكمة سلوبودان ميلوشيفيتش. غير أن الفارق الجوهري يكمن في أن الحالة الفنزويلية وقعت في سياق دولي أكثر تعقيدًا، مع وجود قوى كبرى لها مصالح مباشرة في مستقبل البلاد.
لماذا الآن؟
يرى محللون أن توقيت العملية يتجاوز “الملف القضائي” المتعلق بتهم “ناركوا-إرهاب” (Narco-terrorism). فبعد سنوات من فشل سياسة العقوبات، قررت واشنطن الانتقال من “الخنق الاقتصادي” إلى “الجراحة العسكرية”. أي تأمين احتياطيات النفط الأضخم عالمياً في ظل سوق طاقة مضطرب، وتوجيه رسالة ردع قاسية للحلفاء الدوليين لمادورو، تحديداً موسكو وبكين.
الشارع الفنزويلي بعد الصدمة
وبينما احتفل جزء من الشتات الفنزويلي في مدينتي ميامي ومدريد بما اعتبره نهاية لمرحلة طويلة، خيم الصمت والحذر على شوارع كاراكاس. وفي ظل هذا المشهد المرتبك، تقف فنزويلا اليوم أمام ثلاثة مسارات معقدة: انتقال سياسي مدعوم أمريكياً قد يفتح الباب أمام المساعدات الدولية، لكنه يواجه رفضاً داخلياً واتهامات بالتبعية؛ أو حكم انتقالي تقوده قوى المعارضة يسعى إلى إعادة المسار الديمقراطي، لكنه سيصطدم بإرث ثقيل من الفساد وشبكات الدولة العميقة؛ أو فراغ سياسي يعد السيناريو الأكثر خطورة، إذ قد يقود غياب السلطة المركزية إلى تفكك أمني وصراعات داخلية واسعة.
قد يكون مادورو قد غادر قصر “ميرا فلوريس”، لكن السؤال الأخطر الذي خلفه وراءه ليس “من سيحكم فنزويلا؟”، بل “هل تغيرت قواعد اللعبة الدولية للأبد؟”.



