مع اقتراب انتهاء «نيو ستارت».. العالم يترقب مصير آخر اتفاق نووي بين أمريكا وروسيا

تدخل معاهدة «نيو ستارت» للحد من الأسلحة النووية بين أمريكا وروسيا أيامها الأخيرة، إذ من المقرر أن تنتهي رسميًا في الأول من فبراير 2026، دون وجود مؤشرات واضحة على التوصل إلى اتفاق لتمديدها، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الغموض النووي بعد عقود من الضوابط التي أعقبت الحرب الباردة.
وتُعد «نيو ستارت» آخر اتفاقية قائمة تنظم حجم الترسانتين النوويتين لأكبر قوتين نوويتين في العالم، حيث تفرض سقفًا لا يتجاوز 1550 رأسًا نوويًا استراتيجيًا لكل طرف، إلى جانب تحديد عدد القاذفات الثقيلة بحد أقصى 800، وهو عدد يُنظر إليه رغم ذلك على أنه كافٍ لإحداث دمار شامل.
صمت سياسي ومواقف غير حاسمة
حتى الآن، لم يصدر موقف رسمي واضح من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن تمديد المعاهدة، رغم موافقته المبدئية في وقت سابق على اقتراح روسي بتمديدها لمدة عام واحد.
وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد طرح هذا المقترح في سبتمبر الماضي، إلا أن موسكو لم تتلق، بحسب مسؤولين روس، ردًا «جوهريًا» من واشنطن.
وفي هذا السياق، قال الرئيس الروسي السابق ديمتري ميدفيديف، الذي وقّع الاتفاق الأصلي عام 2010 مع الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، إن بلاده ما زالت تمنح ترامب الوقت لاتخاذ قرار، رغم اقتراب الموعد النهائي.
إدارة ترامب واستراتيجية غير مكتملة
مسؤولون في البيت الأبيض أوضحوا أن ترامب يرغب في فرض قيود أوسع على الأسلحة النووية تشمل الصين، في ظل النمو المتسارع لترسانتها، إلا أن خبراء في شؤون الحد من التسلح يرون أن الإدارة الأمريكية لم تنجح حتى الآن في بلورة استراتيجية تفاوضية متماسكة.
ويرى مدير جمعية مراقبة الأسلحة، داريل كيمبال، أن أسلوب إدارة ترامب في ولايته الثانية، والذي همّش دور الدبلوماسيين المحترفين وحصر اتخاذ القرار في دائرة ضيقة، أعاق إجراء مفاوضات معقدة من هذا النوع، رغم وجود قناعة عامة بأهمية الحد من المخاطر النووية.
فرصة ضائعة؟
من جانبه، أكد جون وولفستال، مدير قسم المخاطر العالمية في اتحاد العلماء الأمريكيين، أن التوصل إلى اتفاق سياسي لتمديد المعاهدة كان ممكنًا في أي لحظة عبر اتصال مباشر بين ترامب وبوتين، معتبرًا أن هذه الفرصة لم تُستغل رغم خطورتها على الأمن العالمي.
ويُشار إلى أن وولفستال عضو في لجنة «ساعة يوم القيامة»، التي تُستخدم كمؤشر رمزي على اقتراب البشرية من الكوارث الوجودية، وقد تم تقريب عقارب الساعة مؤخرًا في ظل تزايد المخاطر النووية وانهيار منظومة الاتفاقات الدولية.
تعليق التفتيش والتجارب النووية
في عام 2023، علّقت روسيا أحد البنود الأساسية في المعاهدة، والمتعلق بالسماح بعمليات التفتيش المتبادلة، وذلك على خلفية التدهور الحاد في العلاقات مع واشنطن بسبب الحرب في أوكرانيا. كما دعا ترامب في أكتوبر الماضي إلى استئناف التجارب النووية الأمريكية لأول مرة منذ أكثر من 30 عامًا، دون تأكيد رسمي على تنفيذ هذه الخطوة.
ويرى محللون عسكريون روس أن المعاهدة وصلت فعليًا إلى نهايتها، واصفين إياها بأنها «إجراء شكلي» لم يعد له تأثير حقيقي. في المقابل، تؤكد مراكز أبحاث روسية أن موسكو ستراقب عن كثب أي تحركات أمريكية لزيادة ترسانتها النووية قبل اتخاذ خطوات رد فعل مقابلة، مع ترجيح استمرار سياسة الصمت والترقب إذا لم يحدث تصعيد فعلي.
الصين والمعادلة النووية
خلال ولايته الأولى، أصر ترامب على إدخال الصين في أي اتفاق نووي جديد، معتبرًا أن تجاهلها لم يعد ممكنًا، رغم أن ترسانتها لا تزال أقل بكثير من ترسانتي أمريكا وروسيا. وبعد تولي جو بايدن الرئاسة عام 2021، تم تمديد معاهدة «نيو ستارت» لخمس سنوات حتى 2026، دون إشراك أطراف جديدة.
وتبقى فرنسا وبريطانيا ضمن القوى النووية الحليفة لأمريكا بترسانات أصغر، فيما تمتلك دول أخرى مثل الهند وباكستان وإسرائيل وكوريا الشمالية أسلحة نووية خارج أي أطر دولية ملزمة.
مستقبل مفتوح على المجهول
مع اقتراب انتهاء «نيو ستارت»، يواجه العالم احتمال الدخول في مرحلة غير مسبوقة من غياب القيود النووية بين القوتين الأكبر، في وقت تتزايد فيه التوترات الدولية، ما يثير مخاوف جدية من سباق تسلح جديد يعيد إلى الأذهان أسوأ فصول الحرب الباردة.



