غزة بين الانسحاب المعلن والبقاء العسكري.. ماذا حدث؟
أعادت التصريحات الأخيرة لوزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، فتح ملف الوجود العسكري الإسرائيلي في قطاع غزة، ليس فقط من زاوية الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار الموقع مع حركة حماس، وإنما أيضاً من حيث مستقبل خطة السلام المدعومة أمريكياً، والتي يُفترض أن تنهي الحرب وتؤسس لمرحلة انتقالية جديدة في القطاع. وبين نفي رسمي لإعادة توطين غزة، وتأكيد صريح على عدم الانسحاب الكامل منها، تتبدى ملامح سياسة إسرائيلية مزدوجة تثير تساؤلات حول النوايا الحقيقية لما بعد الحرب.
فعلى الرغم من نفي كاتس وجود أي نية لإقامة مستوطنات مدنية في غزة، إلا أن تصريحاته بشأن بقاء الجيش الإسرائيلي وعدم مغادرته القطاع «أبداً»، إلى جانب الحديث عن نشر وحدات «ناحال» العسكرية في شمال غزة، حملت دلالات تتجاوز الإطار الأمني المؤقت. تاريخياً، ارتبطت وحدات ناحال بإقامة تجمعات إسرائيلية تحولت لاحقاً إلى مستوطنات مدنية، وهو ما جعل تصريح كاتس يبدو، في نظر كثيرين، أقرب إلى إعادة إنتاج أنماط السيطرة السابقة، وإن بغطاء أمني.
هذه التصريحات بدت متناقضة بشكل مباشر مع جوهر خطة السلام المدعومة من الولايات المتحدة، والتي تنص على انسحاب إسرائيلي تدريجي وكامل من القطاع، مع الامتناع عن إعادة إنشاء أي وجود استيطاني مدني. صحيح أن الخطة تتحدث عن «حضور أمني» إسرائيلي ضمن محيط أمني مؤقت، إلا أن الفرق بين الوجود المؤقت والتمركز الدائم يظل هو جوهر الخلاف. فحين يؤكد وزير الدفاع أن الجيش «لن يغادر كامل غزة أبداً»، فإن ذلك يفرغ مبدأ الانسحاب من مضمونه، ويحوّل الحضور الأمني إلى صيغة دائمة.
اقرأ أيضاً:تصعيد عسكري وغموض دبلوماسي يضغط على اتفاق غزة قبل قمة ترامب-نتنياهو
رد حركة حماس على تصريحات كاتس جاء سريعاً وحاداً، واعتبرها «انتهاكاً واضحاً» لاتفاق وقف إطلاق النار، وتعارضاً كاملاً مع خطة ترامب. هذا الموقف يعكس مخاوف الحركة من أن تتحول المرحلة الانتقالية إلى واقع احتلال عسكري طويل الأمد، وهو ما يفسر في المقابل تمسكها برفض نزع السلاح حتى الآن، باعتبار أن البيئة الأمنية والسياسية لا تزال غير مستقرة ولا توحي بانسحاب حقيقي.
في السياق ذاته، تبرز تصريحات كاتس في الضفة الغربية، وتحديداً من مستوطنة بيت إيل، كجزء من مشهد أوسع. فإعلانه عن بناء 1200 وحدة سكنية جديدة في الضفة، بالتوازي مع الحديث عن غزة، يعكس استمرار الرؤية الإسرائيلية القائمة على توسيع السيطرة الميدانية، سواء عبر الاستيطان المدني في الضفة أو عبر التمركز العسكري في غزة. هذا التوازي يضعف أي محاولة للفصل بين المسارين، ويجعل من الصعب اعتبار أن ما يجري في غزة مجرد إجراء أمني مؤقت.
رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كان قد استبعد مراراً إعادة إقامة مستوطنات في غزة، إلا أن تصريحاته لم تُترجم إلى التزام سياسي ملزم داخل ائتلافه الحكومي، الذي يضم أطرافاً قومية متشددة تدعو صراحة إلى إعادة احتلال القطاع. ومن هنا، يمكن قراءة تصريحات كاتس كمحاولة للتوفيق بين ضغوط داخلية تدفع نحو البقاء والسيطرة، وضغوط خارجية، خاصة أمريكية، تفرض خطاباً أقل حدة تجاه الاستيطان.
التوقيت أيضاً لا يمكن فصله عن مضمون هذه التصريحات. فهي تأتي قبيل اجتماع مرتقب بين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى الحفاظ على تماسك خطة السلام باعتبارها إنجازاً سياسياً بعد التوصل إلى وقف إطلاق النار في أكتوبر وإطلاق سراح الرهائن. غير أن غياب تقدم ملموس في باقي بنود الخطة، مثل نزع سلاح حماس، وتشكيل سلطة انتقالية، ونشر قوة متعددة الجنسيات، يعكس هشاشة المسار بأكمله.
إسرائيل، من جانبها، تبرر تمسكها بالبقاء العسكري بعدم الثقة في أي طرف آخر لحماية أمنها، مستشهدة بتجارب سابقة، وبحاجتها إلى الوجود أيضاً في لبنان وسوريا. هذا الخطاب الأمني يعكس رؤية استراتيجية أوسع تقوم على الردع المسبق والتمركز المتقدم، لكنه في الوقت ذاته يصطدم بواقع سياسي وقانوني يجعل من الصعب تسويق بقاء عسكري دائم تحت مسمى «الأمن».
وفي سياق متصل، أكد الدكتور أيمن الرقيب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، في تصريحات خاصة لـ«داي نيوز»، أن التصريحات الأخيرة الصادرة عن وزير الحرب الإسرائيلي تعكس حالة من الارتباك والتوظيف السياسي للخطاب الأمني، موضحًا أنه «خلال الأيام الماضية صدرت تصريحات لوزير الحرب الإسرائيلي خلال اجتماع مع المستوطنين، تحدث فيها عن نية الإعلان عن بناء مستوطنات في ما يُعرف بـ(غلاف غزة)، في إشارة واضحة إلى رغبة الاحتلال في إعادة إحياء مشروع الاستيطان داخل قطاع غزة».
وأضاف الرقيب أن الوزير الإسرائيلي عاد وتراجع عن هذه التصريحات لاحقًا، مبررًا أنها جاءت في إطار إحاطات واجتماعات ذات طابع أمني، وليست ضمن خطة سياسية معلنة، معتبرًا أن هذا التراجع يؤكد غياب رؤية واضحة، ومحاولة اختبار ردود الفعل داخليًا وخارجيًا.
وأوضح أستاذ العلوم السياسية أن «إسرائيل تمر حاليًا بعام انتخابي، وخلال الأعوام الانتخابية عادة ما نشهد تصعيدًا في الخطاب الراديكالي، خاصة من قبل التيارات اليمينية المتطرفة، التي تعتقد أن المزيد من التطرف ضد الشعب الفلسطيني يترجم إلى مكاسب انتخابية وأصوات إضافية في صناديق الاقتراع، وهو ما تعمل عليه بشكل مكثف خلال الفترة الأخيرة».
وأشار الرقيب إلى أن التصريحات الجديدة لوزير الحرب الإسرائيلي بشأن الرغبة في البقاء داخل ما وصفه بـ«جيوب أمنية» في قطاع غزة لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد أفكار عابرة، مؤكدًا أنها «تعكس تصورًا حقيقيًا لدى المؤسسة الإسرائيلية للبقاء العسكري داخل القطاع، ولو بالحد الأدنى، عبر عدة محاور رئيسية».
وبيّن أن هذه المحاور تشمل «المنطقة الشمالية الغربية من القطاع (منطقة السودانية)، ومحورًا يفصل مدينة غزة عن شمال القطاع، وآخر يفصل شمال القطاع عن جنوبه، بالإضافة إلى محور فيلادلفيا (صلاح الدين) على الحدود الفلسطينية–المصرية»، لافتًا إلى أن هذا الطرح جرى تداوله أيضًا خلال لقاءات مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، مع الحديث عن ما يسمى بـ«تنمية» هذه المحاور أمنيًا وعسكريًا.
وحول مستقبل المسار السياسي، قال الرقيب إن «الحديث عن الانتقال إلى المرحلة الثانية من التفاهمات أو الاتفاقات المطروحة لا يزال قائمًا»، مرجحًا أن يتم هذا الانتقال، لكنه حذّر من أنه «سيواجه العديد من العقبات السياسية والأمنية المعقدة».
واختتم الرقيب تصريحاته بالتأكيد على أنه «ورغم هذه التحديات، قد نشهد بالفعل بدء المرحلة الثانية، لكن مع بقاء إسرائيلي داخل قطاع غزة في صورة جيوب أو نقاط سيطرة أمنية في مناطق مختلفة، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الانسحاب الكامل وإمكانية تحقيق استقرار حقيقي في القطاع».
من جانبه، يرى أحمد الدسوقي، المحلل السياسي، في تصريحات خاصة لـ«داي نيوز»، أن التصريحات المتضاربة الصادرة عن وزير الحرب الإسرائيلي تعكس محاولة لتمرير واقع ميداني جديد في قطاع غزة تحت غطاء أمني، موضحًا أن الحديث عن عدم الانسحاب الكامل من القطاع يتعارض عمليًا مع أي التزام حقيقي باتفاقات التهدئة المعلنة.
وأضاف الدسوقي أن «التراجع عن بعض التصريحات لا يعني التخلي عن الفكرة، بل يهدف إلى امتصاص ردود الفعل الدولية»، معتبرًا أن إسرائيل تسعى إلى تثبيت وجود عسكري محدود داخل غزة عبر نقاط سيطرة أو جيوب أمنية، بما يضمن لها حرية التحرك ومنع أي تغيّر في موازين القوة مستقبلًا.
وأشار إلى أن هذا التوجه يأتي في ظل ضغوط سياسية داخلية، خاصة من التيارات اليمينية، التي ترى في استمرار الوجود العسكري وسيلة للحفاظ على الردع وتوظيف الملف الفلسطيني في الصراع الانتخابي الداخلي.
واختتم الدسوقي تصريحاته بالتأكيد على أن «أي حديث عن مرحلة ثانية سيظل هشًا ما لم يقترن بانسحاب فعلي وجدول زمني واضح»، محذرًا من أن بقاء هذه الجيوب الأمنية قد يُبقي قطاع غزة في دائرة عدم الاستقرار، ويُضعف فرص التوصل إلى تسوية مستدامة.



