تحول غربي نحو ضرب البنية الأمنية لإيران… وخبراء يوضحون
وسط مشهد إقليمي يميل نحو حافة المواجهة، أعلنت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي فرض عقوبات متزامنة وغير مسبوقة على إسكندر مؤمني كالاجاري، وزير الداخلية الإيراني ونائب قائد الحرس الثوري.
الخطوة جاءت على خلفية اتهامات له بالإشراف المباشر على قمع دموي لاحتجاجات شعبية واسعة أودت بحياة آلاف المتظاهرين السلميين.
وبالتوازي وصلت حاملة الطائرات الأمريكية يو إس إس أبراهام لينكولن ومجموعتها القتالية إلى مياه الخليج العربي وبحر العرب، في استعراض قوة يعزز الوجود العسكري الأمريكي قرب مضيق هرمز، بينما ردت طهران بتهديدات بتدريبات نار حية ونشر مئات الزوارق السريعة المسلحة.
اقرأ أيضاً:عراقجي: إيران مستعدة للتخلي عن السلاح النووي مقابل رفع العقوبات
هذا التزامن بين خنق داخلي وضغط خارجي يرسم ملامح استراتيجية “ضغط شامل” قد تدفع المنطقة نحو حافة صراع واسع يهدد الطاقة العالمية ويضع الإيرانيين بين الفقر والخوف من الحرب.
في خطوة وصفت بأنها رسالة ردع سياسية وأمنية، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية يوم 30 يناير تجميد أصول مؤمني وحظر أي تعاملات معه، متهمةً إياه بالإشراف على قوات إنفاذ القانون التي نفذت عمليات قتل جماعي واعتقالات تعسفية وقطعت الإنترنت على نطاق واسع خلال احتجاجات أواخر 2025 وبداية 2026.
هذه الاحتجاجات اندلعت على خلفية الانهيار التاريخي للريال الإيراني، الذي لامس 1.5 مليون ريال مقابل الدولار في بعض الأيام، إلى جانب ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، وأزمات المياه، وتداعيات الحرب القصيرة مع إسرائيل في يونيو 2025، كما وسعت واشنطن نطاق العقوبات لتشمل مسؤولين أمنيين آخرين وشبكات عملات مشفرة مرتبطة بالحرس الثوري يُشتبه في استخدامها للالتفاف على العقوبات وغسيل الأموال.
وقبل واشنطن بيوم واحد، أقر الاتحاد الأوروبي عقوبات مماثلة على مؤمني و15 مسؤولاً آخرين وستة كيانات، في خطوة تصعيدية غير مسبوقة تمثلت في تصنيف الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية لأول مرة. القرار الأوروبي استند إلى ما وصفه بـ”انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان”، شملت العنف المفرط ضد المتظاهرين، الاعتقالات التعسفية، وحملات الترهيب، إضافة إلى دعم طهران لموسكو في حرب أوكرانيا. ويكتسب مؤمني أهمية خاصة لأنه يجمع بين السلطة المدنية كوزير للداخلية والسلطة العسكرية كنائب لقائد الحرس الثوري، ما يجعله تجسيداً لمركز القوة الأمني الذي يحمي النظام من الضغوط الشعبية.
اقرأ أيضاً:آلاف الأمريكيين يتظاهرون ضد سياسات إدارة ترامب للهجرة
وراء هذه العقوبات مشهد داخلي بالغ الهشاشة فإيران تشهد موجة احتجاجات واسعة غذّتها أزمة اقتصادية خانقة تفاقمت بعد حرب يونيو 2025 والعقوبات الجديدة. المظاهرات امتدت إلى مدن عدة احتجاجاً على غلاء المعيشة، وسط تقارير عن سقوط آلاف القتلى واعتقالات جماعية وانقطاع شبه كامل للإنترنت لأسابيع. ويرى مراقبون أن العقوبات قد تمنح النظام ذريعة لتعزيز خطاب “الحصار الخارجي” وتوحيد الصفوف مؤقتاً، لكنها في المقابل تضاعف الضغط الاقتصادي وقد تشعل الشارع مجدداً إذا شعر الإيرانيون بأن السلطة تضعف. وبين هذين الاحتمالين، يبقى القمع الأداة الأسرع التي قد يلجأ إليها النظام لضمان بقائه.
و يتصاعد التوتر العسكري بوتيرة مقلقة وحساسة فقد وصلت حاملة الطائرات أبراهام لينكولن ومجموعتها القتالية إلى نطاق عمليات القيادة المركزية الأمريكية ، في خطوة تهدف إلى تعزيز الردع وحماية المصالح الأمريكية وحلفائها.
إيران ردت بنشر مئات الزوارق السريعة المسلحة والصواريخ الساحلية، إضافة إلى حاملة الدرونز “شاهيد باقري”، وأعلنت تدريبات نار حية في مضيق هرمز يومي 1 و2 فبراير. هذا الممر البحري الذي يمر عبره ما يصل إلى ثلث تجارة النفط المنقولة بحراً يمثل نقطة اختناق عالمية؛ أي حادث عرضي أو اشتباك محدود قد يشعل أزمة طاقة دولية حادة. ومع امتداد التوتر إلى البحر الأحمر عبر تهديدات الحوثيين، تبدو المنطقة أمام شبكة أزمات مترابطة قد تتدحرج بسرعة نحو مواجهة إقليمية أوسع.
لكن في الساعات الأخيرة من يوم السبت 31 يناير 2026، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للصحفيين أن هناك محادثات جارية مع إيران، قائلاً: “الخطة هي أن إيران تتحدث معنا، وسنرى إن كان بإمكاننا فعل شيء، وإلا فسنرى ما سيحدث… لدينا أسطول كبير متجه إلى هناك، أكبر مما كان لدين وما زلنا نمتلكه في فنزويلا”.
وأضاف ترامب أن “الإيرانيين يتفاوضون، لذا سنرى ما سيحدث”، مشيراً إلى أن المفاوضات السابقة لم تنجح في وقف البرنامج النووي الإيراني، لكن “تم إيقافه بطريقة أخرى”.
وفي سياق متصل أكدت الدكتورة أريج جبر أستاذة العلوم السياسية في تصريحات خاصة لـ”داي نيوز” ،أن إيران تعيش اليوم حالة ضغط مزدوج، وكأنها بين فكي كماشة، ما بين احتقان داخلي متصاعد نتيجة التشدد الأمني، وتراجع الأوضاع الاقتصادية، وغياب الإصلاحات، وبين ضغوط خارجية متزايدة تقودها الولايات المتحدة، والتي بلغت معها إيران شفير الحرب، إضافة إلى منظومة العقوبات التي تدعمها أوروبا.

وأوضحت أن العقوبات المفروضة على وزير الداخلية الإيراني إسكندر مؤمني يمكن فهمها بوصفها انتقالًا نوعيًا من استهداف أذرع إيران الإقليمية إلى استهداف البنية الأمنية الداخلية التي تدير القمع داخل إيران. فالعقوبات الأميركية، بحسب جبر، تستند قانونيًا إلى مبدأ المسؤولية القيادية، الذي يحمّل القادة السياسيين والأمنيين مسؤولية الانتهاكات التي ترتكبها القوات الخاضعة لإشرافهم.
وبينت أن وزارة الداخلية الإيرانية، عبر قوات إنفاذ القانون والشرطة ومكافحة الشغب، أشرفت على قمع الاحتجاجات باستخدام القوة المفرطة وغير المتناسبة، وارتكاب القتل خارج إطار القانون، والاعتقال التعسفي والإخفاء القسري، إضافة إلى تقييد حرية التعبير وقطع الإنترنت لمنع توثيق الانتهاكات. ومن هذا المنطلق، فإن مؤمني – وظيفيًا – لا يُعد مجرد منفذ، بل مشرفًا ومنسقًا ومقررًا للسياسات القمعية، ما يجعل تحميله المسؤولية القانونية والسياسية متسقًا مع قواعد القانون الدولي، خاصة أن هذه العقوبات تُفرض ضمن أنظمة عقوبات إدارية دون الحاجة إلى إدانة قضائية مسبقة.
وأشارت أستاذة العلوم السياسية إلى أن الدول الأوروبية تنطلق من تصورها لنفسها بوصفها قوة معيارية قانونية وأخلاقية تسعى إلى الدفاع عن حقوق الإنسان وترسيخ المعايير الدولية. ولذلك شملت العقوبات الأوروبية إجراءات مثل تجميد الأصول، ومنع السفر، والحجز على الأموال، وقيود التعامل المالي، في محاولة لمساءلة المسؤولين عن الانتهاكات وتعزيز الضغط السياسي والأخلاقي على النظام الإيراني.
ولفتت جبر إلى أن جمع إسكندر مؤمني بين منصب وزير الداخلية ومنصب نائب قائد الحرس الثوري الإيراني يكشف طبيعة البنية الأمنية للنظام الإيراني. فوزارة الداخلية، من حيث الأصل، تشرف على الأجهزة الأمنية المدنية مثل الشرطة وقوات إنفاذ القانون، التي يُفترض أن تعمل وفق قواعد حفظ النظام العام والعدالة المدنية. في المقابل، يشغل مؤمني في الوقت نفسه منصبًا قياديًا في الحرس الثوري، وهو قوة شبه عسكرية عقائدية تنشط خارج الأطر المدنية التقليدية وتضم تشكيلات مثل قوات الباسيج.
واعتبرت أن هذا التداخل في المناصب يؤكد أن النظام الإيراني لا يفصل بين المؤسسات المدنية والعسكرية، وأن إدارة الأمن تتم ضمن منظومة مركزية خاضعة لتوجيهات القيادة العليا للنظام، وليس لرقابة قضائية مستقلة، وهو ما يعكس تحول وزارة الداخلية من جهاز مدني إلى ذراع أمني مُعسكر موجّه في جوهره نحو ضبط المجتمع وقمعه.
ومن منظور نظريات الدولة، ترى جبر أن إيران لا تعمل وفق نموذج الدولة البيروقراطية الحديثة، بل وفق نموذج الدولة الأمنية العقائدية، حيث تُعسكر الوظيفة الحكومية وتُدمج الأجهزة المدنية ضمن منظومة أمنية – أيديولوجية واحدة. وسياسيًا وقانونيًا، فإن هذا التداخل يجعل من الصعب على إيران الادعاء بأن القمع مجرد تصرفات أمنية محلية أو استثنائية، إذ يربط القمع مباشرة بالحرس الثوري وبعقيدة الحكم ذاتها، الأمر الذي يُسهّل على الغرب تبرير العقوبات باعتبار أن الانتهاكات ليست ظرفية بل بنيوية.
وحول تأثير العقوبات على أداء قوات إنفاذ القانون، أوضحت أن هذه الإجراءات لا يُتوقع أن تُحدث تأثيرًا عملياتيًا مباشرًا على المدى القصير، لكنها تُسهم في تآكل الشرعية الدولية للنظام، وتفرض قيودًا سياسية ومالية متزايدة، وتُراكم أثرًا نفسيًا وسياسيًا داخل النخبة الحاكمة، وتُعمّق شعورها بالعزلة. كما تكشف أن النخبة الأمنية ليست مؤسسات دولة محايدة، بل نخبة مُسيّسة ومؤدلجة تعمل لحماية النظام أكثر من خدمة المجتمع، وهو ما يقوّض الشرعية القانونية والأخلاقية للنظام على مدى أبعد.
وترى جبر أن العقوبات الأميركية والأوروبية يمكن قراءتها بوصفها تصعيدًا متدرجًا ومدروسًا ضمن سياسة ضغط غربية، وهو ما يدفع النظام الإيراني، بطبيعته، إلى التعامل معها بدرجة عالية من التشدد. وفي هذا الإطار، يمكن تصور عدة سيناريوهات مع تفاوت في احتمالات تحققها.
السيناريو الأول يتمثل في التهدئة والتفاوض، وهو بحسب تقديرها الأقل احتمالًا في المرحلة الراهنة. فقد تدفع العقوبات طهران نحو التهدئة إذا ترافقت مع مسار دبلوماسي واضح، وشعر النظام بأن استمرار التصعيد يهدد التماسك الاقتصادي والسياسي الداخلي. غير أن تحقق هذا السيناريو يتطلب وساطة دولية فاعلة، وضمانات بعدم استهداف بنية النظام، إلى جانب استعداد إيراني لتقديم إصلاحات هيكلية جوهرية، وهو احتمال يظل ضعيفًا نظرًا لطبيعة النظام القائم على عقيدة أيديولوجية متشددة مرتبطة برؤية القيادة العليا.
أما السيناريو الثاني، وهو الأرجح وفق جبر، فيتمثل في التشدد الداخلي والتصعيد الإقليمي. ففي هذا المسار، يعمد النظام إلى تعزيز القبضة الأمنية داخليًا تحت ذريعة التهديدات الخارجية، واتهام المحتجين بالارتباط بقوى خارجية أو “العمالة”، مع توسيع دور الحرس الثوري في إدارة الشأنين الأمني والسياسي، وتصعيد إقليمي محدود ومحسوب عبر الوكلاء دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.
وأكدت أن العقوبات في هذا السياق تستهدف أفرادًا ومسؤولين بعينهم ولا تستهدف النظام الإيراني ككيان مباشر، إذ تشمل تجميد الأصول، ومنع السفر، وقيود التعامل المالي، ما يحد من قدرة هذه النخبة على إدارة مواردها خارج إيران ويزيد من عزلتها السياسية والاقتصادية، دون إحداث تغيير فوري في البنية الأمنية.
وأشارت إلى أن الموقف الإيراني الرسمي يرفض هذه العقوبات ويصفها بأنها تهديد سياسي وسيادي، ويقابلها بخطاب تصعيدي يربط الضغوط الغربية بالأمن القومي الإيراني. وهذا الخطاب، برأيها، يعكس حالة تشدد داخلي متزايد، ويؤشر إلى أن المسار الغالب في المرحلة المقبلة هو تشدد داخلي مترافق مع تصعيد إقليمي محدود، مقابل استمرار الضغوط الأميركية والأوروبية.
ومن جانبه يرى الدكتور نزار نزال المحلل السياسي، أن المنظومة الأمنية في إيران تختلف بشكل كبير عن النماذج التقليدية، موضحًا أن إسكندر مؤمني لا يشغل مجرد منصب إداري عابر، بل ينتمي إلى دائرة قيادات أمنية عليا أُوكلت إليها مهام مباشرة في قمع الاحتجاجات داخل طهران.
وأكد نزال أن مؤمني يُعد من التيار المحافظ المتشدد، ومن الشخصيات القريبة من مراكز القرار الديني في إيران، وهو ما يفسر بحسب تقديره إسناد ملفات أمنية شديدة الحساسية إليه. ويشير إلى أن الرجل لعب دورًا مباشرًا في إنهاء موجات احتجاج سابقة، وكان من بين المسؤولين عن إدارة المواجهة الميدانية واحتواء الشارع في لحظات توتر داخلي حاد، الأمر الذي منحه ثقة القيادة السياسية والأمنية في البلاد.
وأضاف أن تعدد المواقع الأمنية التي يتقلدها مؤمني يعكس حجم الثقة في قدراته، ويؤكد أنه يُنظر إليه داخل النظام بوصفه رجل المهمات الصعبة، وصاحب خبرة أمنية واسعة في إدارة الأزمات الداخلية. ومن هذا المنطلق، يفسر نزال فرض الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية عقوبات عليه باعتباره استهدافًا لشخصية تُعد مؤثرة في بنية القرار الأمني الإيراني، وليس مجرد مسؤول تنفيذي عادي.
ويرى المحلل السياسي أن هذه العقوبات، رغم رمزيتها السياسية، لن تُحدث تأثيرًا حقيقيًا على أداء مؤمني أو على قدرته في إدارة الملف الأمني داخل إيران، موضحًا أنه يستمد سلطاته وقوته من رأس النظام مباشرة، وهو ما يجعل تأثير القيود الخارجية محدودًا في الجانب العملي. ويشدد على أن العقوبات لن تدفع طهران إلى التراجع أو تغيير نهجها الأمني، معتبرًا أن إيران دولة لديها خبرة طويلة في التعامل مع الضغوط والعقوبات، وتمتلك قدرة عالية على المراوغة السياسية.
ويتابع نزال أن هناك ملفات تعتبرها طهران غير قابلة للتنازل، في مقدمتها ما تصفه بالكرامة الوطنية وقضايا الدفاع والأمن القومي. ويشير إلى أن إيران قد تبدي مرونة تكتيكية في بعض المسارات التفاوضية، مثل الملف النووي، لكنها ترفض بشكل قاطع أي نقاش يمس برنامجها الصاروخي أو بنيتها الأمنية والعسكرية، وهو ما يجعل فرص نجاح أي مفاوضات شاملة محدودة.
وحذر من أن فشل المسارات الدبلوماسية قد يفتح الباب أمام تصعيد عسكري، لافتًا إلى أن أي ضربة أميركية محتملة إن حدثت لن تكون عشوائية، بل قد تستهدف النخبة السياسية والأمنية ومفاصل الدولة، إلى جانب شخصيات دينية مؤثرة، في محاولة لإحداث صدمة داخل بنية النظام.
كما لفت نزال بالإشارة إلى أن السؤال الأهم لن يكون حول وقوع الضربة بحد ذاتها، بل حول ما بعدها، وهل ستقود إلى مواجهة إقليمية واسعة أم إلى ردود إيرانية محسوبة. ويؤكد أن الرهان على أن العقوبات وحدها يمكن أن تُليّن الموقف الإيراني أو تدفعه إلى الرضوخ هو رهان غير واقعي، في ظل طبيعة النظام وتركيبته الأيديولوجية والأمنية.


