رجال حول مادورو.. دائرة ضيقة تخفي إجابة لغز من الخائن؟
سقوط ميرافلوريس: القلاع تُفتح من الداخل.. في الثالث من يناير 2026، لم تسقط أسوار قصر "ميرافلوريس" بقوة النيران، بل بـ "خيانة النخبة". سقط نيكولاس مادورو وزوجته في قبضة الاستخبارات الأمريكية بعدما تحول حراسه المقربون إلى "حصان طروادة" يبيعون أسراره مقابل وعود الأمان.

كتبت: هدير الصاوي
لم يكن سقوط حصون قصر “ميرافلوريس” في الثالث من يناير 2026 مجرد نتاج لقوة عسكرية غاشمة، بل كان تجسيداً لشرخ عميق في جدار الولاء الذي أحاط به نيكولاس مادورو نفسه لسنوات؛ فبينما كانت “عملية العزم المطلق” تضرب أهدافها في كاراكاس، كانت الخيانة قد أتمت نسج خيوطها من الداخل عبر “حرس النخبة” والمقربين الذين تحولوا إلى مخبرين لصالح الاستخبارات الأمريكية.
وتشير التقارير إلى أن القبض على مادورو وزوجته سيليا فلوريس داخل “حصنهما الفولاذي” لم يكن ممكناً لولا المعلومات الدقيقة التي قدمها حراس شخصيون تم تجنيدهم قبل أشهر، حيث قدموا تفاصيل دقيقة حول “نمط حياته” اليومي، وتحركاته، وعادات نومه، وحتى ثغرات الغرفة الآمنة التي فشل مادورو في إغلاقها تماماً لحظة الاقتحام. هؤلاء الحراس، الذين أغرتهم وعود الولايات المتحدة بالأمان، والملاذات الآمنة، والمكافآت المالية الضخمة، كانوا هم “حصان طروادة” الذي فتح أبواب القصر من الداخل.
وقد سبقت هذه اللحظة الدرامية سلسلة من الانشقاقات والاتهامات المتبادلة بالخيانة داخل الدائرة الضيقة. فمن هم رجال مادورو؟ ومن منهم يحمل إثم الخيانة؟
وقد سبق السقوط اتهامات متبادلة بالخيانة داخل الدائرة الضيقة؛ ففي قطاع النفط الذي يمثل عصب النظام، سقط “الرجل القوي” طارق العيسمي، نائب لمادورو بين عامي 2017 و2018 ووزير النفط، الذي وصفته دوائر القصر بـ”الخائن” بعد اتهامه باختلاس 23 مليار دولار وبناء إمبراطورية مالية موازية وانتهت بالقبض عليه في 2024.
ولم يكن خليفته بيدرو تليتشيا أوفر حظاً، إذ اعتقل في أكتوبر 2025 بتهمة تسريب معلومات استراتيجية وحساسة لشركة مرتبطة بالاستخبارات الأمريكية، رغم النجاحات الفنية التي حققها في رفع إنتاج النفط من 700 ألف إلى 940 ألف برميل يومياً، وإبرام اتفاقيات مع شركات كبرى مثل إكسون موبيل وريبسول. هذه التصفية الداخلية لـ”أبناء الثورة” المخلصين عكست حالة من الذعر والشكاك في دهاليز ميرافلوريس ، حيث بات مادورو يرى في كل كفاءة إدارية أو عسكرية تتواصل مع الخارج مشروعاً لـ “واشٍ” جديد.
وعلى جبهة الاستخبارات، كانت الوشاية التاريخية للجنرال مانويل كريستوفر فيغيرا، المدير السابق لجهاز الاستخبارات الفنزويلي (SEBIN)، عندما قرر في 30 أبريل 2019 الانضمام إلى الانتفاضة العسكرية التي قادها زعيما المعارضة الفنزويلية خوان غوايدو وليوبولدو لوبيز.
فقد كانت بمثابة الصدمة التي لم يستفق منها النظام تماماً منذ عام 2019؛ حيث فر فيغيرا إلى الولايات المتحدة كاشفاً عن أسرار القمع والاعتقالات التعسفية، وباع انتمائه سريعًا في مقابل مكافأة فورية بـ “رفع العقوبات الأمريكية” عنه وشطبه من القوائم السوداء.
وينضم إليه في قائمة “الشهود الكبار” هوغو أرماندو كارفاخال، المعروف بـ “إل بويو”، رئيس الاستخبارات العسكرية الأسبق، والوجه الأبرز في “كارتل الشمس”، وقد تدهورت علاقته مع مادورو في 2017 إلى أن انهارت في 2019 عندما فر إلى إسبانيا. ويُنظر إليه الآن كـ “شاهد ملك” في المحاكمات الجارية في نيويورك بعد إبرامه صفقة إقرار بالذنب مقابل الشهادة ضد رفيقه السابق مادورو. وفي هذا الأمر لن نرى كالسامرائي لديه ولاء لبلده ورئيسه، بل سننظر إلى خائن جديد.
وتأتي ديلسي رودريغيز نائبة مادورو والقائمة بأعمال الرئاسة حالياً، والتي تُعتبر الرابح الأكبر؛ هي الشخصية الأكثر دهاءً في الدائرة. فبينما نُقل مادورو إلى سجون نيويورك، ظهرت هي “كرئيسة بالوكالة” بقرار من المحكمة العليا. وتتبنى حالياً خطاباً مزدوجاً؛ فهي تطالب بالإفراج عن مادورو ظاهرياً، لكنها تدعو واشنطن لعلاقات “قائمة على الاحترام”، مما يضعها في خانة المستفيد الأكبر من غياب “الزعيم”. كما تشير التقارير إلى أنها قادت تيار “الواقعيين” الذي قدم إحداثيات مخبأ مادورو مقابل ضمان بقاء هيكل الدولة وعدم ملاحقتها دولياً، وهو ما يفسر خطابها الهادئ تجاه واشنطن حالياً.
ومن جنرال إلى منشق ووسيط في تفكيك براغي ميرافلوريس، كليفر أنطونيو ألكالا الجنرال المنشق رغم تسليمه سابقاً، إلا أنه لعب دوراً محورياً من داخل الولايات المتحدة في التنسيق مع ضباط حاليين داخل كاراكاس. يُعتقد أن “قائمة العفو” شملت أفراد عائلته وحماية أصولهم المالية مقابل كشف شبكة “كارتل الشمس”
ولربما كان تراجع جنرالات “الصف الثاني” في الحرس الجمهوري، التي شملت قادة الوحدات المسؤولة عن تأمين قصر “ميرافلوريس” ومجمع “فويرت تيوونا” العسكري سببًا رئيسًا في الاقتحام، فقد حصل هؤلاء على ضمانات بعدم الإدراج في قوائم العقوبات الأمريكية مقابل “تحييد” السلاح ومنع وقوع اشتباكات أثناء إنزال القوات الخاصة الأمريكية، وهو ما جعل العملية تتم في وقت قياسي أقل من 3 ساعات.
لقد لعبت السياسة الأمريكية دور “المحفز” لهذه الانهيارات عبر استراتيجية مزدوجة؛ فمن جهة، رفعت وزارة الخارجية سقف المكافآت المالية لتصل إلى 25 مليون دولار مقابل معلومات تؤدي لاعتقال مادورو أو “الرجل الثاني” ديوسدادو كابيلو. ومن جهة أخرى، أبقت أبواب “العفو والمخارج الكريمة” مفتوحة عبر مفاوضات سرية لمن يسهل عملية الانتقال الديمقراطي.
هذا الضغط المالي والقانوني، مضافاً إليه تصنيف “كارتل الشمس” كمنظمة إرهابية، جعل البقاء في دائرة مادورو “عبئاً استراتيجياً” لا يطيقه حتى أكثر القادة العسكريين ولاءً، والذين فضلوا في لحظة الحسم “فتح بوابات ميرافلوريس ” بدلاً من مواجهة مصير محتوم خلف القضبان الأمريكية.
تظل قصة “من خان مادورو” فصلاً تراجيدياً في تاريخ الثورات التي تحولت إلى أنظمة سلطوية. إن بوابات ميرافلوريس التي فُتحت في عام 2026 لم تفتح بمفاتيح الثوار، بل بتفكك العقد الذي كان يربط الدائرة الضيقة بمادورو. لقد أثبتت التجربة الفنزويلية أن الولاء المبني على الخوف والمصلحة هو ولاء هش يتبخر عند أول بادرة لعفو خارجي أو تهديد عسكري جدي.
وفي نهاية المطاف، فإن سقوط مادورو يطرح تساؤلاً أعمق حول مستقبل الأنظمة المشابهة هل يمكن للولاء أن يصمد أمام ملايين الدولارات؟ الإجابة تكمن في صمت القادة الذين اختاروا الهروب، وفي البذلات الزرقاء التي يرتديها “الخونة” المعتقلون في زنازين كاراكاس، وفي الطائرة التي نقلت مادورو إلى مواجهة قدره المحتوم في محاكم نيويورك.



