دلتا فورس الأمريكية.. تاريخ طويل من القبض على الرؤساء وتنفيذ عمليات سرية
القصة الكاملة لوحدة دلتا فورس من فشل طهران إلى عملية كاراكاس

كتبت: شروق محمد
لم تستغرق سوى ثلاثين دقيقة، لكنها كانت كافية لإعادة اسم «دلتا فورس» إلى واجهة المشهد العالمي. عملية عسكرية خاطفة نفذتها القوات الخاصة الأمريكية داخل العاصمة الفنزويلية كاراكاس، انتهت بالقبض على الرئيس نيكولاس مادورو، في واحدة من أكثر العمليات حساسية وتعقيدًا في السنوات الأخيرة. ومرة أخرى، برزت هذه الوحدة النخبوية بوصفها الأداة التي تلجأ إليها واشنطن عندما تريد حسماً سريعاً دون حرب مفتوحة.
بحسب ما كشفه رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأمريكية دان كاين، فإن العملية نفذت عبر إنزال جوي مباشر على المجمع الرئاسي، باستخدام طائرات مروحية، واستهدفت موقعاً محصناً يضم غرفاً مؤمنة بأبواب فولاذية وجدران مدعمة. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أكد أن بلاده تمتلك «الرجال والمعدات القادرة على تنفيذ هذا النوع من العمليات دون خسائر»، في إشارة واضحة إلى وحدة دلتا فورس.
الوحدة الأكثر سرية في العالم
تعرف دلتا فورس رسمياً باسم 1st Special Forces Operational Detachment-Delta، وهي وحدة عمليات خاصة تتبع الجيش الأمريكي، وتعد من أكثر الوحدات العسكرية سرية في العالم. وعلى عكس وحدات أخرى مثل قوات «النيفي سيلز»، نادراً ما يعلن عن مشاركتها في العمليات، وغالباً ما تنسب إنجازاتها إلى «مصادر مجهولة» أو تحجب تفاصيلها بالكامل.
تتخذ دلتا فورس من قاعدة فورت براغ مقراً لها، ولا يرتدي أفرادها زياً موحداً، ولا يحملون شارات تعريفية. ويسمح لهم بإطالة الشعر واللحية، بما يخدم متطلبات التمويه والاندماج في البيئات المختلفة. وتنقسم الوحدة إلى أربعة أسراب عملياتية، يضم كل منها فرقاً للاقتحام، والقنص، والاستطلاع، حيث تعرف فرق الاستطلاع بقدرتها على التسلل إلى أي مكان تقريباً، وفي أقسى الظروف المناخية.
مقاييس صارمة للانضمام إليهم
لا يفتح باب الانضمام إلى دلتا فورس إلا أمام العسكريين ذوي الخبرة الطويلة والسجل النظيف، وغالباً ما يأتي المرشحون من وحدات النخبة مثل فوج الرينجرز الـ75 وقوات القبعات الخضراء. ووفق ما ورد في كتاب Inside the Delta Force لإريك، يخضع المتقدمون لاختبارات اختيار تجرى مرتين سنوياً، وتمتد لأربعة أسابيع مرهقة تشمل اختبارات اللياقة البدنية، والملاحة البرية لمسافات طويلة بحمولة ثقيلة، إضافة إلى تقييمات نفسية صارمة.
أما من يجتازون هذه المرحلة، فيخضعون لدورة تدريبية تمتد ستة أشهر، تُعرف باسم OTC، تشمل الرماية تحت الضغط، واستخدام المتفجرات، والعمليات المركبة، والعمل الاستخباراتي، وحماية الشخصيات. ويخصص الشهر الأخير لمحاكاة عمليات حقيقية تقيم خلالها قدرة المتدربين على اتخاذ القرار والعمل الجماعي تحت ضغط شديد. ولا ينجح في اجتياز هذا المسار سوى نحو 10% فقط من المتقدمين.
من ميونيخ إلى كاراكاس
تعود جذور تأسيس دلتا فورس إلى سبعينيات القرن الماضي، في أعقاب تصاعد العمليات الإرهابية عالمياً، خاصة بعد حادثة أولمبياد ميونيخ عام 1972. حينها أدركت الولايات المتحدة الحاجة إلى وحدة عسكرية متخصصة في التعامل مع سيناريوهات الرهائن والعمليات المعقدة. وكان العقيد تشارلز بيكويث، مستفيداً من خبرته مع القوات البريطانية الخاصة (SAS)، هو صاحب فكرة إنشاء هذه الوحدة، التي ولدت رسمياً عام 1977 بدعم مباشر من مدربين بريطانيين.

مهمات ما بين فشل ونجاح ساحق
في عام 1980، أوكلت إلى قوة «دلتا» أولى مهامها الكبرى، والتي تمثلت في محاولة تحرير 53 رهينة أميركياً احتجزوا داخل مقر السفارة الأميركية في العاصمة الإيرانية طهران، ضمن عملية عرفت باسم «مخلب النسر». غير أن العملية انتهت بالفشل، بعدما تعذر وصول العنصر الرئيسي من القوة إلى مبنى السفارة، نتيجة مشكلات لوجستية معقدة وتداعيات سياسية، ما اضطر القيادة الأميركية إلى إلغائها في مراحلها الأولى، بحسب موقع «ناشيونال إنترست» الأميركي.
ورغم أن العملية مثلت إخفاقاً مؤلماً في بدايات قوة «دلتا»، فإنها كشفت في الوقت ذاته عن ثغرات خطيرة في منظومة دعم العمليات الخاصة، وعلى رأسها غياب وحدة طيران متخصصة قادرة على تنفيذ مهام دقيقة وسريعة في البيئات المعقدة. وعلى إثر ذلك، أسست الولايات المتحدة الفوج 160 للطيران الخاص، المعروف رسمياً باسم 160th Special Operations Aviation Regiment (Airborne)، والذي اشتهر لاحقاً بلقب «مطاردو الليل»، ليصبح الذراع الجوية الأساسية لدعم القوات الخاصة الأميركية.
ومن أبرز تلك العمليات، مشاركة قوة «دلتا» في القبض على الرئيس العراقي السابق صدام حسين عام 2003، إلى جانب دورها البارز في ملاحقة وتفكيك شبكات تنظيم «القاعدة» في العراق، وتنفيذ عمليات سرية ضد تنظيم «داعش» في كل من العراق وسوريا.
وتتولى هذه الوحدة تنفيذ مهام النقل والإخلاء والدعم الجوي المباشر، لا سيما خلال العمليات الليلية عالية الخطورة، وقد شاركت في السنوات الأخيرة في عمليات مرتبطة بفنزويلا، إضافة إلى مهام مراقبة وتحركات عسكرية معقدة في البحر الكاريبي، ما عزز من كفاءتها ودورها المحوري في العقيدة القتالية الأميركية الحديثة.
وأخيراً مادورو

اليوم، تعود دلتا فورس إلى الواجهة مجدداً مع عملية القبض على مادورو، في مؤشر واضح على تحول العقيدة العسكرية الأمريكية نحو «إسقاط الرؤوس بدل غزو الدول». وحدة تعمل في الظل، تتحرك بصمت، لكنها تترك أثراً سياسياً يتجاوز حدود الميدان، وتؤكد أن الحروب الحديثة لم تعد تخاض بالجيوش الجرارة، بل بالعمليات الدقيقة.



