تقارير

جيش تحت قبضة رجل واحد.. إلى أين يمضي شي بالصين؟

رغم الصورة التي تحرص بكين على تصديرها عن جيش منضبط وقوة صاعدة لا تُقهر، تكشف التطورات الأخيرة داخل جيش التحرير الشعبي عن مشهد أكثر تعقيدًا، حيث تتقاطع الهيمنة المطلقة مع هشاشة القرار، ويصبح تركيز السلطة سلاحًا ذا حدّين في أكثر الملفات حساسية: تايوان.

قبضة شي.. بلا فرامل

مع إقصاء الجنرال تشانج يوشيا، أحد أقدم وأقرب رفاق الرئيس الصيني شي جين بينج، تكون القيادة الصينية قد أغلقت آخر نافذة داخل المؤسسة العسكرية كانت تسمح بنقاش استراتيجي متوازن. لم يعد هناك صوت عسكري ثقيل قادر على إبطاء الاندفاع أو طرح بدائل أقل مخاطرة.

وبحسب تحليلات غربية، فإن ما جرى لا يمكن فصله عن رغبة شي في تحويل الجيش إلى أداة طيّعة تنفذ الرؤية السياسية دون اعتراض، حتى لو كان الثمن هو تفريغ القيادة من خبرتها التاريخية.

تطهير أم إعادة هندسة؟

رغم الصيغة التقليدية التي استخدمتها وزارة الدفاع الصينية — “انتهاكات جسيمة لانضباط الحزب” — إلا أن توقيت الإقصاءات وحجمها يشيران إلى ما هو أبعد من مكافحة فساد. فإبعاد نائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية ورئيس الأركان في وقت واحد، يعني عمليًا إعادة هندسة مراكز القوة داخل الجيش، وليس مجرد معاقبة أفراد.

الأخطر أن هذه الإقصاءات طالت قادة عيّنهم شي نفسه قبل سنوات قليلة، ما يثير تساؤلات داخل الأوساط البحثية:

هل يعاني النظام من أزمة ثقة داخلية؟ أم أن وتيرة التحديث العسكري فاقت قدرة القادة على مجاراتها؟

تايوان.. الهدف الثابت وسط الفوضى

وسط هذا الاضطراب، تبقى تايوان حجر الزاوية في الحسابات الصينية. غير أن المفارقة تكمن في أن تشديد القبضة على الجيش لم يُقرب بكين من خيار الحرب المباشرة، بل دفعها إلى تكتيك الاستنزاف طويل الأمد.

فبدلًا من ضربة عسكرية شاملة، تفضّل القيادة الصينية سياسة الخنق البطيء:

مناورات تحاكي حصارًا بحريًا وجويًا

ضغط اقتصادي متصاعد

هجمات سيبرانية على بنى تحتية حساسة

استخدام القانون كسلاح سياسي ونفسي

وهي أدوات تُبقي تايوان تحت ضغط دائم، دون المخاطرة بانفجار إقليمي شامل.

خطر القرار الفردي

يحذر خبراء استراتيجيون من أن غياب مراكز التوازن داخل الجيش الصيني يرفع احتمالات سوء التقدير في أوقات الأزمات. فإدارة مؤسسة عسكرية ضخمة بعقلية “القرار الواحد” قد تُسرّع التنفيذ، لكنها في الوقت ذاته تقلّل من فرص تصحيح الخطأ قبل فوات الأوان.

وفي حال اندلاع أزمة مفاجئة في مضيق تايوان، قد تجد بكين نفسها أمام معادلة خطرة:

قوة نارية هائلة.. لكن بهوامش قرار ضيقة.

واشنطن في الحسابات الصينية

تعوّل بكين جزئيًا على قراءتها لموقف واشنطن، معتبرة أن إدارة ترامب أقل استعدادًا لدفع كلفة مواجهة عسكرية مفتوحة دفاعًا عن تايوان. ومن هنا، تسعى الصين إلى استغلال أي مقاربة “تبادلية” تقوم على المصالح التجارية، لزرع الشك داخل تايبيه بشأن صلابة الدعم الأمريكي.

ما يجري داخل جيش التحرير الشعبي ليس مجرد “تطهير إداري”، بل تحوّل عميق في طبيعة الحكم العسكري بالصين. وبينما ينجح شي جين بينج في إحكام السيطرة، يبقى السؤال الأهم:

هل تمنح السيطرة المطلقة الصين قوة أكبر… أم تقرّبها من أخطر أخطائها الاستراتيجية؟

Mariam Hassan

مريم حسن كاتبة وصحفية متخصصة في الشأن الهندي ـ الباكستاني و جنوب شرق آسيا خبرة سنتين في مجال العمل الصحفي والإعلامي. أماكن العمل : داي نيوز الإخباري. أعمل على ترجمة وتحرير الأخبار والتقارير الصحفية المتنوعة. تحليل و دراسة التحولات السياسية والتهديدات الأمنية في آسيا وانعكاساتها على الأمن القومي المصري والعربي. متابعة التطورات الاقتصادية والتكنولوجية، وتحليل سياسات القوى الإقليمية وأنماط التحالفات بين جنوب آسيا والشرق الأوسط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى