شراء جرينلاند: نزوة سياسية أم استراتيجية أمريكية؟

كتبت: هدير البحيري
لم يكن حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن شراء جزيرة جرينلاند مجرد تصريح عابر أو نزوة سياسية، بل يعكس تحولًا أعمق في نظرة واشنطن إلى القطب الشمالي كساحة صراع استراتيجي مفتوحة. فالجزيرة، الواقعة عند تقاطع المحيطين المتجمد الشمالي والأطلسي، أصبحت عقدة جيوسياسية تجمع بين الأمن العسكري، الموارد الطبيعية، ومسارات التجارة المستقبلية، خصوصًا في ظل ذوبان الجليد القطبي وتسارع المنافسة بين القوى الكبرى.
ويأتي الاهتمام الأمريكي المتجدد بجرينلاند في توقيت دقيق، مرتبط مباشرة بتحولات بنيوية يشهدها النظام الدولي، لا سيما التغيرات المناخية التي أعادت تشكيل الجغرافيا السياسية للقطب الشمالي. فذوبان الجليد لم يفتح آفاقًا بيئية مقلقة فحسب، بل كشف أيضًا عن ممرات بحرية وموارد طبيعية ظلت لعقود خارج نطاق الاستغلال المباشر، ما حول المنطقة إلى نقطة جذب استراتيجية للقوى الكبرى.
بالنسبة لواشنطن، تمثل جرينلاند موقعًا يصعب تعويضه في معادلة الأمن القطبي. فهي تقع على خط التماس بين أوروبا وأمريكا الشمالية، مما يجعلها نقطة مراقبة متقدمة لأي تحركات عسكرية أو تكنولوجية قادمة من الشرق، خاصة في ظل تصاعد النشاط الروسي والصيني في المناطق القطبية.
هذا الموقع الجغرافي الفريد يمنح الجزيرة قيمة استراتيجية تتجاوز مساحتها وسكانها، ويجعلها عنصرًا أساسيًا في أي تصور أمريكي طويل الأمد للأمن العالمي.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن فصل هذا الاهتمام عن التحولات الاقتصادية المرتبطة بالقطب الشمالي. ففتح ممرات الملاحة الجديدة، وعلى رأسها “الممر الشمالي الغربي”، يهدد بإعادة رسم خريطة التجارة الدولية وتقليص زمن الشحن بين آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية.
ومع هذا التحول، تصبح السيطرة أو النفوذ في نقاط العبور الاستراتيجية مسألة تتجاوز المكاسب الاقتصادية إلى اعتبارات القوة والنفوذ.
من هذا المنطلق، يبدو طرح فكرة شراء جرينلاند أقرب إلى رسالة سياسية متعددة الأبعاد، أكثر منه مشروعًا قابلًا للتنفيذ بالمعنى التقليدي. فهو يعكس موقف واشنطن الواضح من إعادة توزيع النفوذ في القطب الشمالي، ويؤكد استمرار اعتبارها اللاعب الأبرز في هذه الجغرافيا الصاعدة.
البعد العسكري: جرينلاند حصن أمريكي
تُعد جرينلاند جزءًا راسخًا من الخريطة الاستراتيجية الأمريكية منذ الحرب الباردة، حيث تحتضن قاعدة “بيتوفيك” الفضائية التي تأسست في خمسينيات القرن الماضي، وتشكل أقصى نقطة انتشار عسكري في الشمال، ولعبت دورًا محوريًا في أنظمة الإنذار المبكر، ورصد الصواريخ الباليستية، ومراقبة الفضاء.
يعكس هذا الوجود إدراك واشنطن المبكر لأهمية القطب الشمالي كجبهة أمنية محتملة، إلا أن المتغيرات الدولية الحالية أعادت تعزيز هذه الأهمية.
مع تزايد النشاط العسكري الروسي وسعي الصين لتعزيز حضورها عبر “طريق الحرير القطبي”، تحولت المنطقة إلى ساحة تنافس متعدد الأبعاد، تشمل السيطرة على البنية التحتية والمجال التكنولوجي، إلى جانب الاستعراض العسكري.
وترى الولايات المتحدة أن الحفاظ على نفوذها في جرينلاند ضرورة دفاعية أكثر منها خيارًا سياسيًا. فموقع الجزيرة يتيح مراقبة المسارات الجوية والبحرية بين القارات، ويمنح القدرة على الاستجابة السريعة لأي تهديد محتمل في شمال الأطلسي، ما يجعل تركيز واشنطن على الجزيرة جزءًا من استراتيجية ردع واحتواء متكاملة، لا مجرد توسع جغرافي.
الأبعاد الاقتصادية: كنز تحت الجليد
إلى جانب الأهمية العسكرية، تبرز جرينلاند كأحد أكثر الأقاليم الواعدة اقتصاديًا في العالم، خاصة مع انحسار الجليد القطبي وظهور موارد كانت لسنوات طويلة خارج نطاق الاستغلال.
فالجزيرة تحتوي على احتياطيات ضخمة من النفط والغاز، إلى جانب معادن أرضية نادرة تُعد أساسية في الصناعات التكنولوجية المتقدمة، من الهواتف الذكية إلى أنظمة الطاقة المتجددة والتطبيقات العسكرية.
هذا البعد الاقتصادي يمنح الاهتمام الأمريكي تفسيرًا يتجاوز الأمن القومي، إذ تسعى واشنطن لتأمين مصادر بديلة وتقليل اعتمادها على الخصوم، لا سيما الصين، في مجال المعادن الاستراتيجية.
كما يكتسب الموقع أهمية إضافية من الناحية التجارية، فذوبان الجليد يفتح المجال أمام الملاحة شبه الدائمة في “الممر الشمالي الغربي”، ما يقلص زمن الرحلات البحرية بين آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية، ويحول الجزيرة إلى نقطة عبور استراتيجية تؤثر في حركة التجارة العالمية وموازين القوة الاقتصادية.
بالنسبة للولايات المتحدة، تعني هذه التحولات الاقتصادية ضمان النفوذ في بيئة جديدة آخذة في التشكل، من خلال الاستثمارات والشراكات طويلة الأمد والتعاون في البنية التحتية والموانئ، وهو نهج أكثر واقعية وأقل تكلفة سياسيًا مقارنة بمحاولات فرض السيطرة بالقوة.
في الوقت ذاته، يضع هذا البعد جرينلاند في قلب صراع أوسع بين القوى الكبرى، حيث تتقاطع مصالح واشنطن مع مخاوف أوروبية من تهميش دورها في إدارة موارد القطب الشمالي، وهو ما يفسر الحساسية الكبيرة التي رافقت التصريحات الأمريكية، ليس فقط في كوبنهاجن، بل في عواصم أوروبية متعددة ترى في الجزيرة جزءًا من توازنات التحالف الغربي.
توتر داخل الناتو
قوبلت التصريحات الأمريكية بشأن جرينلاند برفض أوروبي واضح، عكس حجم القلق داخل التحالف الغربي من أي محاولة لإعادة تعريف موازين النفوذ خارج الأطر المتفق عليها.
فبالنسبة للدنمارك، لا تمثل جرينلاند مجرد إقليم تابع، بل جزءًا من سيادتها الوطنية ومن دورها داخل حلف الناتو، وهو ما جعل أي حديث عن “الشراء” ينظر إليه باعتباره تجاوزًا سياسيًا وقانونيًا.
ومن جانبها، أكدت الدنمارك، بدعم من عدة دول أوروبية، أن مستقبل جرينلاند يقرره سكانها وحدهم، وأن أي تعديل في وضعها القانوني يجب أن يتم وفق القانون الدولي، وليس تحت ضغوط سياسية أو تهديدات ضمنية. ويعكس هذا الموقف ليس مجرد الدفاع عن الجزيرة، بل حماية مبدأ أساسي في النظام الدولي الغربي: احترام سيادة الدول وحدودها، حتى بين الحلفاء.
أما داخل حلف الناتو، فقد أثارت التصريحات الأمريكية تساؤلات حساسة حول تماسك الحلف نفسه. فجرينلاند، باعتبارها جزءًا من دولة عضو في الناتو، تقع نظريًا تحت مظلة الدفاع المشترك.
ومن ثم، فإن أي تهديد باستخدام القوة – حتى لو كان نظريًا – يضع الحلف أمام مفارقة غير مسبوقة: كيف يتعامل مع توتر أمني نابع من داخل صفوفه؟
هذا القلق الأوروبي لا ينفصل عن سياق أوسع من الشكوك المتراكمة بشأن السياسات الأمريكية الأحادية خلال فترة ترامب، والتي اتسمت أحيانًا بتقديم المصالح الوطنية الضيقة على حساب الاعتبارات الجماعية.
ومن هنا، تحول ملف جرينلاند إلى اختبار سياسي لقدرة أوروبا على الدفاع عن مصالحها داخل تحالف تقوده واشنطن، دون الدخول في مواجهة مباشرة معها.
في المقابل، حرصت الولايات المتحدة على التراجع خطوة إلى الوراء على مستوى الخطاب الرسمي، مؤكدة أن الخيار التفاوضي هو المسار المفضل، وأن الهدف يتمثل في تعزيز التعاون الأمني والاقتصادي، لا تقويض سيادة الدنمارك أو تهديد استقرار الحلف. هذا التراجع يعكس إدراكًا أمريكيًا لحساسية الموقف، ولأن أي تصعيد غير محسوب قد يؤدي إلى تصدعات يصعب احتواؤها داخل الناتو.
سيناريوهات النفوذ الأمريكي في جرينلاند: بين الضغط والتعاون
وقالت الباحثة في العلاقات الدولية، نهلة داوود، لـ”داي نيوز” إن الاهتمام الأمريكي بجرينلاند يتجاوز تصريحات ترامب، ويعكس خطة استراتيجية طويلة الأمد داخل مؤسسات القرار في واشنطن.
وترى داوود أن النهج الأمريكي في جرينلاند يذكر بما حدث في فنزويلا، حيث استخدمت واشنطن أدوات النفوذ السياسي والاقتصادي لإعادة ترتيب موازين القوة دون تدخل مباشر. وتؤكد أن كلا الملفين يعكس استراتيجية أمريكية طويلة الأمد تهدف للسيطرة على الموارد الحيوية والنقاط الجغرافية الاستراتيجية، مع الحفاظ على صورة الدور القيادي أمام الحلفاء والمجتمع الدولي.
ومع ذلك، تشير داوود إلى أن جرينلاند تمثل تحديًا أكثر تعقيدًا من فنزويلا، لكونها تجمع بين الأمن العسكري والنفوذ الاقتصادي والمصالح التكنولوجية في آن واحد.
وترى داوود أن النفوذ الأمريكي في جرينلاند قد يتجسد عبر ثلاثة سيناريوهات رئيسية، تختلف في درجة المخاطرة وآليات الإدارة.
وتشير إلى أن هذه السيناريوهات تعكس خيارات واشنطن في التعامل مع التحديات والمكاسب المحتملة في القطب الشمالي.
وترجح الباحثة أن السيناريو الأكثر احتمالًا يتمثل في تعزيز النفوذ الأمريكي عبر دعم الوجود العسكري الحالي، وتوسيع الاستثمارات في البنية التحتية والطاقة والمعادن الاستراتيجية، إلى جانب توطيد التعاون الأمني والاستخباراتي مع الدنمارك.
وقالت داوود إن هذا الخيار يمكن واشنطن من تحقيق أهدافها في القطب الشمالي، مع الحفاظ على علاقاتها مع الحلفاء الأوروبيين وسمعتها الدولية.
في المقابل، تتوقع داوود أن أي تصعيد في الضغوط السياسية أو فرض وقائع جديدة على الأرض قد يؤدي إلى توتر طويل الأمد داخل التحالف الغربي، مع تراجع الثقة بين أعضاء الناتو وارتفاع حدة التوتر مع الدنمارك ودول أوروبية أخرى.
وأضافت أن هذا السيناريو يمنح روسيا والصين مجالًا أوسع للتحرك في المنطقة، مع احتمال أن تفوق كلفة المواجهة السياسية مكاسبه الاستراتيجية.
أما السيناريو الأكثر توازنًا، بحسب الباحثة، فيتمثل في إدارة ملف القطب الشمالي بالتنسيق مع الناتو والاتحاد الأوروبي، عبر تقاسم الأدوار، وتعزيز الاستثمارات المشتركة، ووضع أطر قانونية واضحة لاستغلال الموارد والممرات البحرية.
وأوضحت داوود أن هذا المسار يسمح للولايات المتحدة بالحفاظ على دور قيادي دون الظهور كقوة مهيمنة، ويعزز قدرة التحالف على مواجهة التحديات الجيوسياسية في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية وتنافسية.



