تركيا تعزز وجودها في القرن الإفريقي: لماذا تعد الصومال الخيار الاستراتيجي الآن؟

كتبت: هدير البحيري
في تحول نوعي للدور التركي في القرن الإفريقي، نشرت أنقرة ثلاث طائرات مقاتلة من طراز F-16 في العاصمة الصومالية مقديشو.
تأتي هذه الخطوة بعد سنوات من تعزيز الوجود التركي في الصومال عبر الدعم العسكري والإنساني، بما في ذلك إدارة قاعدة تدريب كبيرة، وتزويد الجيش الصومالي بمروحيات وطائرات مسيرة مسلحة، وتدريب آلاف الجنود. إلا أن نشر مقاتلات F-16 يشكل تصعيدًا ملموسًا في طبيعة الدور التركي، من الدعم اللوجستي والتدريبي إلى تموضع عسكري مباشر بقدرات قتالية متقدمة.
الأبعاد العسكرية
تمركز المقاتلات لم يأت بمحض الصدفة، بل بعد تجهيز منشآت خاصة في مطار مقديشو الدولي، وشحن قطع الغيار والذخائر اللازمة لتشغيلها.
يعكس هذا استعداد تركيا لدعم الصومال في مواجهة التهديدات الإرهابية، خصوصًا جماعة الشباب، ولكن أيضًا توسيع نطاق نفوذها العسكري في المنطقة. وبجانب الطائرات المقاتلة، تتضمن التعزيزات التركية طائرات مسيرة مسلحة مثل TB2 بيرقتار وأقينجي، إضافة إلى مروحيات هجومية من طراز T129، مما يعزز قدرة تركيا على الرد السريع في حالة التصعيد.
الدوافع الاستراتيجية
يمكن تفسير التحرك التركي ضمن رؤية أوسع لتعزيز النفوذ السياسي والاقتصادي في الصومال. إذ تشير التقارير إلى خطط لإرسال منصة استكشاف نفطية شمالي مقديشو، وإنشاء ميناء فضائي، ما يجعل الوجود العسكري جزءًا من استراتيجية شاملة لتأمين المصالح التركية في البلاد، وضمان استقرار البيئة الاستثمارية.
كما يبرز الدور التركي في مواجهة النفوذ الإقليمي المتنامي، خاصة بعد الاعتراف الإسرائيلي باستقلال إقليم أرض الصومال، الذي اعتبرته أنقرة تهديدًا لاستقرار الصومال ووحدة أراضيه.
التوازن الإقليمي
الوجود العسكري التركي في الصومال يأتي في ظل منافسة إقليمية متصاعدة، مع سعي إسرائيل ودول أخرى لتعزيز نفوذها في القرن الإفريقي. قدرة تركيا على نشر مقاتلات F-16 وتسيير قوة جوية محلية من شأنها تعزيز موقفها الاستراتيجي في مواجهة هذه التحركات، وتمنح الصومال شريكًا قادرًا على الردع العسكري، إلى جانب الدعم الاقتصادي والتنموي المستمر منذ عام 2011.
الانعكاسات المحتملة
بالرغم من التوازن الذي تحاول أنقرة الحفاظ عليه، فإن التوسع العسكري في الصومال قد يثير توترات مع قوى إقليمية ودولية، ويضع البلاد في موقع حساس بين مصالح متنافسة. من ناحية أخرى، يمكن أن يسهم هذا التمركز في تعزيز قدرات الجيش الصومالي في مكافحة الإرهاب، وتحسين جاهزية البلاد لمواجهة أي تهديدات، سواء داخلية أو خارجية، شرط أن يتم دمجه ضمن استراتيجية سياسية واضحة لدعم الاستقرار الداخلي.
دوافع أنقرة وراء توسيع حضورها العسكري في الصومال
وفي هذا السياق، قال الخبير في الشؤون التركية، عبدالمولى علي، في حديث خاص لـ”داي نيوز” إن قرار تركيا نشر مقاتلات F-16 في الصومال يأتي في سياق سياسي وأمني معقد، ويعكس تصاعد أهمية الصومال في الحسابات الاستراتيجية لأنقرة، لافتًا إلى أن هذا التحرك يتجاوز البعد العسكري المباشر ليحمل رسائل سياسية وإقليمية متعددة.
وأوضح علي أن البعد السياسي للقرار يرتبط بتأكيد الدعم التركي لوحدة وسيادة الأراضي الصومالية، في ظل تطورات إقليمية متسارعة تشهدها منطقة القرن الإفريقي، وعلى رأسها الاعتراف الإسرائيلي بإقليم “أرض الصومال”، وما قد يترتب على ذلك من إعادة تشكيل للتوازنات الإقليمية، وهو ما يدفع أنقرة إلى تثبيت موقفها الداعم للحكومة الفيدرالية الصومالية.
وأشار إلى أن التوقيت يحمل كذلك أبعادًا أمنية واضحة، إذ يتزامن مع استمرار تهديدات حركة الشباب المسلحة، إلى جانب اقتراب بدء عمليات تركية للتنقيب عن النفط قبالة السواحل الصومالية، ما يجعل حماية المصالح الاقتصادية والاستثمارات المستقبلية عاملًا رئيسيًا في تفسير هذا الانتشار العسكري، الذي وصفه بأنه رسالة ردع مبكرة قبل دخول مشروعات استراتيجية حيز التنفيذ.
وأضاف الخبير في الشؤون التركية أن توسيع الوجود العسكري لأنقرة في القرن الإفريقي يندرج ضمن رؤية استراتيجية أوسع تعتبر المنطقة مجالًا حيويًا متزايد الأهمية، نظرًا لموقعها الجغرافي القريب من باب المندب وخطوط الملاحة الدولية، وما يمثله ذلك من ثقل في معادلات الأمن البحري والطاقة العالمية.
كما لفت إلى أن اشتداد التنافس الإقليمي والدولي على النفوذ في المنطقة يدفع تركيا إلى ترسيخ وجودها العسكري كوسيلة لحماية مصالحها الاقتصادية وتعزيز شراكاتها السياسية.
وعلى الصعيد العسكري، أوضح علي أن الوجود التركي في الصومال يوفر لأنقرة منصة متقدمة للعمل وفق مفهوم “الدفاع خارج الحدود”، بما يسمح بتأمين خطوط الإمداد، وتعزيز القدرة على التحرك في شرق إفريقيا والبحر الأحمر، وهو ما يمنح السياسة العسكرية التركية مرونة أكبر في التعامل مع التهديدات المحتملة.
وأكد علي أن نشر مقاتلات F-16 يعكس تحولًا ملحوظًا في طبيعة الدور العسكري التركي في الصومال، من التركيز على الدعم غير المباشر، كالتدريب والاستشارات العسكرية، إلى تبني مقاربة أقرب إلى الردع.
وأشار علي إلى أن إدخال مقاتلات متعددة المهام بعد سنوات من الاعتماد على الطائرات المسيرة والمروحيات الهجومية، يدل على استعداد أنقرة لامتلاك قدرة تفوق جوي ورد فعل سريع.
وفي الوقت نفسه، شدد علي على أن هذا التحول لا يعني بالضرورة نية الانخراط في عمليات قتالية مباشرة، لكنه يرفع مستوى الجاهزية العسكرية، ويمنح تركيا هامشًا أوسع للتعامل مع أي تهديدات قد تستهدف مصالحها أو الحكومة الصومالية.
وأشار علي إلى أن هذا الانتشار العسكري المتقدم يسهم في تعزيز موقع أنقرة كلاعب أمني فاعل في القرن الإفريقي، ما يضيف عنصرًا جديدًا إلى معادلة التوازنات الإقليمية التي تضم قوى إقليمية ودولية متعددة، وقد يدفع بعض الأطراف إلى إعادة ضبط حساباتها، سواء فيما يتعلق بالمنافسة على النفوذ أو بالترتيبات الأمنية المرتبطة بالموانئ والموارد الطبيعية.
وأضاف أن هذا الوجود يعزز في الوقت ذاته موقف الحكومة الفيدرالية الصومالية، ويمنحها دعمًا سياسيًا وعسكريًا إضافيًا في مواجهة التحديات الداخلية والضغوط الخارجية.
وختم الخبير في الشؤون التركية حديثه بالتأكيد على أن نشر مقاتلات F-16 يمكن اعتباره في المرحلة الحالية خطوة ردعية محسوبة أكثر منه مؤشرًا على تصعيد عسكري واسع في السياسة الخارجية التركية، موضحًا أن محدودية عدد الطائرات وغياب إعلان رسمي عن تغيير جوهري في العقيدة العسكرية يعكسان حرص أنقرة على توجيه رسالة تحذير استباقية تهدف إلى منع التصعيد، مع الإبقاء على خيار رفع مستوى الانخراط العسكري إذا فرضت التطورات ذلك.
تداعيات التوسع العسكري التركي على مستقبل الصومال والقرن الإفريقي
وفي السياق ذاته، قال الباحث في الشؤون الإفريقية، عبدالله القزاز، في حديث خاص لـ”داي نيوز” إن قرار تركيا توسيع حضورها العسكري في الصومال عبر نشر مقاتلات F-16 في مقديشو يشكل تحولًا نوعيًا في مقاربة أنقرة لدورها داخل القرن الإفريقي، إذ تنتقل من إطار الدعم الأمني التقليدي إلى تموضع عسكري مباشر بقدرات قتالية متقدمة.
وأوضح القزاز أن إرسال ثلاث مقاتلات يأتي في سياق سعي تركي لتعزيز الردع الجوي وحماية المصالح الاستراتيجية وسط تصاعد التوترات الإقليمية، معتبرًا أن الخطوة تعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية القرن الإفريقي ضمن منظومة الأمن المرتبطة بالبحر الأحمر والمحيط الهندي.
وأضاف أن القوة الجوية التركية تحمل بعدًا سياسيًا ورمزيًا إلى جانب وظيفتها العسكرية، إذ تسعى أنقرة من خلالها إلى ترسيخ نفوذها وبعث رسائل ردع متعددة الاتجاهات، فيما يعكس اختيار الصومال توجهًا تركيًا للتمركز داخل مناطق الهشاشة التي تتيح بناء نفوذ طويل الأمد.
وأشار القزاز إلى أن هذه الخطوة تأتي ضمن مسار متصاعد من الانخراط التركي في الصومال، أمنيًا واقتصاديًا، في ظل إدارة أنقرة قاعدة عسكرية رئيسية في مقديشو ودورها في تدريب القوات الصومالية.
ويرى أن نشر المقاتلات يمثل انتقالًا من دور الشريك الداعم إلى فاعل أمني مباشر، خصوصًا في مواجهة تهديدات حركة الشباب، بما يجعل تركيا أقرب إلى موقع “الضامن الأمني” الذي يربط بين حماية الاستثمارات وتعزيز الاستقرار.
ولفت القزاز إلى أن التحرك التركي يعكس تغيرًا في طبيعة التدخلات العسكرية الخارجية، إذ تتراجع أنماط التدخل الجماعي لصالح تدخلات ثنائية تحكمها المصالح المباشرة.
ويشير إلى أن تشغيل المقاتلات من قبل القوات التركية نفسها يضع الوجود العسكري ضمن ما يمكن وصفه بـ”الوجود السيادي الجزئي”، حيث تحتفظ دولة خارجية بقدرة مستقلة على استخدام القوة داخل الأراضي الصومالية، وهو ما يمنحها مرونة عملياتية عالية لكنه يثير تساؤلات حول مستقبل السيادة الأمنية الصومالية.
ويرى القزاز أن الوجود الجوي التركي يعيد رسم توازنات القوى في القرن الإفريقي، مانحًا أنقرة قدرة نوعية على دعم الحكومة الصومالية في مواجهة حركة الشباب عبر تعزيز التفوق الجوي والتحول من الدفاع إلى العمليات الهجومية والاستباقية، غير أن فعالية هذا التفوق تبقى مرهونة بمدى اندماجه في إصلاحات أمنية ومؤسسية محلية.
ويأتي هذا التحرك، بحسب القزاز، في وقت تتسابق فيه قوى إقليمية ودولية، بينها الولايات المتحدة، على تعزيز حضورها العسكري في المنطقة، ما يحول القرن الإفريقي إلى ساحة تنافس جوي وعسكري ويزيد احتمالات الاحتكاك غير المباشر بين الفاعلين. كما يتقاطع مع تداعيات اعتراف إسرائيل بإقليم صوماليلاند، الأمر الذي دفع القوى الإقليمية إلى إعادة تقييم تحالفاتها وتعزيز حضورها السياسي والعسكري.
وأوضح القزاز أن الانتشار التركي في الصومال يحمل بعدين متداخلين: دعم مباشر للحكومة الصومالية في مواجهة الجماعات المسلحة، وتوسيع نفوذ جيوسياسي في منطقة تتزايد فيها التدخلات الخارجية.
وبينما يمنح هذا الوجود الدول الصغيرة هامش مناورة أوسع داخل فضاء متعدد الأقطاب، فإنه في الوقت نفسه يزيد من تعقيد المشهد ويجعل الصومال عرضة لتحولها إلى ساحة تنافس بالوكالة، مع بروز تركيا كعامل توازن يسهم في دعم الدولة الصومالية دون أن يلغي مخاطر الارتهان الأمني للخارج.
وقال الباحث في الشؤون الإفريقية إن تصاعد الوجود العسكري الخارجي في الصومال يفتح المجال أمام سيناريوهات متعددة لمستقبل الدولة الصومالية ومحيطها الإقليمي، تتراوح بين فرص إعادة بناء الدولة ومخاطر تعميق الهشاشة.
وأوضح القزاز أن السيناريو الأول المرجح يقوم على تعزيز الدولة المركزية، حيث يمكن للدعم العسكري الخارجي، بما في ذلك الوجود التركي، أن يضعف الجماعات المسلحة ويمنح الحكومة الصومالية قدرة أكبر على فرض سيطرتها الأمنية، بما يخلق زخمًا سياسيًا وأمنيًا يدعم الاستقرار التدريجي. لكنه أشار إلى أن نجاح هذا المسار مشروط بتحويل المكاسب العسكرية إلى إنجازات سياسية ومؤسسية عبر إصلاحات عميقة وتوافقات وطنية واسعة.
وأضاف القزاز أن السيناريو الثاني يرتبط بتصاعد المنافسة الإقليمية، خصوصًا إذا انخرطت قوى إقليمية ودولية إضافية في الصومال لتعزيز نفوذها العسكري أو السياسي، في ظل تداعيات الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند.
وفي هذه الحالة، قد تصبح البلاد ساحة لتوازنات نفوذ متشابكة، تهمش فيها أولويات بناء الدولة لصالح حسابات الردع والمنافسة.
وأشار القزاز إلى السيناريو الثالث، القائم على استمرار الهشاشة والتبعية، إذا ظل التركيز على المقاربة العسكرية دون تحقيق تقدم سياسي داخلي، خاصةً في تنظيم العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات.
وأضاف أن هذا المسار يعرض الدولة لتقلب أولويات الفاعلين الدوليين، ويهدد وحدة البلاد في ظل نقاط توتر مثل قضية صوماليلاند.
وختم القزاز بالقول إن المشهد الصومالي يقف اليوم عند مفترق طرق بين بناء الدولة، وتعميق النفوذ الخارجي، أو استمرار الهشاشة، مؤكدًا أن قدرة الصومال على تجاوز هذه المرحلة ستعتمد على توظيف الدعم الخارجي دون الارتهان له، وتحويل التنافس الإقليمي إلى فرصة لتعزيز مؤسسات الدولة.


