تحليل | لماذا لن تجني شركات النفط الأمريكية مكاسب سريعة من احتياطيات فنزويلا رغم سقوط مادورو؟

رغم امتلاك فنزويلا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، يستبعد محللون وخبراء طاقة تحقيق شركات النفط الأمريكية الكبرى أي مكاسب سريعة من القطاع النفطي الفنزويلي، حتى في حال تدفق استثمارات بمليارات الدولارات، كما ألمح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عقب اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
ويعزو محللون هذا التقدير إلى مزيج معقد من الاضطرابات السياسية، والتحديات الأمنية، وتدهور البنية التحتية، إلى جانب الغموض القانوني الذي يحيط بشرعية العملية الأمريكية والتداعيات السياسية طويلة الأمد داخل الدولة الغنية بالنفط.
احتياطيات ضخمة وإنتاج متراجع
لطالما مثّل النفط عماد الاقتصاد الفنزويلي، غير أن إنتاج البلاد تراجع بشكل حاد على مدى العقود الماضية، نتيجة سوء الإدارة ونقص الاستثمارات الأجنبية، خاصة بعد تأميم قطاع النفط في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وهو ما شمل أصول شركات كبرى مثل إكسون موبيل وكونوكو فيليبس.
وبينما كانت فنزويلا تنتج في سبعينيات القرن الماضي نحو 3.5 مليون برميل يوميًا، أي أكثر من 7% من الإنتاج العالمي آنذاك، انخفض الإنتاج إلى أقل من مليوني برميل يوميًا في العقد الأول من الألفية، ليبلغ متوسطه نحو 1.1 مليون برميل يوميًا العام الماضي، ما يعادل قرابة 1% فقط من الإمدادات العالمية.
عوائق أمام عودة الاستثمارات الأمريكية
يرى محللون تحدثوا إلى رويترز أن أي شركات نفط أمريكية تسعى للعودة إلى فنزويلا ستواجه تحديات جسيمة، تشمل المخاطر الأمنية، وتهالك البنية التحتية، وعدم وضوح مستقبل العقوبات الأمريكية المفروضة على البلاد.
وقال مارك كريستيان، مدير تطوير الأعمال في شركة “كريس ويل” للاستشارات، إن الشركات الأمريكية “لن تعود قبل التأكد من قدرتها على استرداد استثماراتها، والحصول على حد أدنى من الأمن، ورفع العقوبات”.
وأضاف أن فنزويلا ستحتاج أيضًا إلى تعديل قوانينها النفطية للسماح باستثمارات أجنبية أوسع، بعد عقود من هيمنة شركة النفط الحكومية “بتروليوس دي فنزويلا” على القطاع.
سيناريوهات متباينة لمستقبل الإنتاج
يرى توماس أودونيل، الخبير في شؤون الطاقة والجيوسياسة، أن حدوث انتقال سياسي سلس في فنزويلا قد يفتح الباب أمام زيادة كبيرة في إنتاج النفط خلال فترة تتراوح بين خمس وسبع سنوات، مع إصلاح البنية التحتية وجذب الاستثمارات.
وأشار إلى أن النفط الخام الثقيل الفنزويلي يتناسب بشكل جيد مع مصافي ساحل الخليج الأمريكي، ويمكن مزجه مع النفط الخفيف الناتج عن التكسير الهيدروليكي.
لكن أودونيل حذر من أن هذا السيناريو يبقى مشروطًا، قائلاً إن “الكثير من الأمور قد تسوء”، بما في ذلك احتمال تصاعد مقاومة مسلحة أو مشاعر معادية للولايات المتحدة قد تمتد لسنوات.
شيفرون.. اللاعب الأمريكي الوحيد
في الوقت الراهن، تظل شيفرون شركة النفط الأمريكية الكبرى الوحيدة التي تعمل داخل فنزويلا، حيث تصدر نحو 150 ألف برميل يوميًا إلى ساحل الخليج الأمريكي. وتعمل الشركة بحذر دبلوماسي للحفاظ على وجودها في البلاد وسط التحولات السياسية.
وقال فرانسيسكو مونالدي، مدير برنامج الطاقة في أمريكا اللاتينية بمعهد بيكر في جامعة رايس، إن شيفرون ستكون المستفيد الأكبر من أي انفتاح نفطي محتمل، بينما ستنتظر شركات أمريكية أخرى، مثل كونوكو فيليبس وإكسون موبيل، اتضاح المشهد السياسي والقانوني قبل اتخاذ أي خطوة.
تأثير محدود على أسعار النفط عالميًا
يرى خبراء أن التطورات الأخيرة في فنزويلا لن يكون لها تأثير فوري يُذكر على أسعار النفط أو البنزين في الولايات المتحدة، خاصة أن معظم صادرات فنزويلا تتجه حاليًا إلى الصين وكوبا.
وقال إد هيرز، المتخصص في شؤون الطاقة بجامعة هيوستن، إن التاريخ يظهر أن تدخلات أمريكية سابقة في دول غنية بالنفط، مثل العراق وليبيا، لم تحقق مكاسب نفطية ملموسة للولايات المتحدة، محذرًا من تكرار السيناريو ذاته في فنزويلا.
مكاسب محتملة.. ولكن ليس الآن
ورغم أن إعادة تدفق الخام الفنزويلي إلى مصافي الخليج الأمريكي قد تمثل مكسبًا محدودًا على المدى القصير لبعض المصافي، فإن المؤشرات الحالية تشير إلى أن الطريق نحو الاستفادة الحقيقية من احتياطيات فنزويلا النفطية لا يزال طويلًا ومحفوفًا بالتعقيدات السياسية والاقتصادية.



