تقارير

بوتين يطرح مليار دولار لـ«مجلس السلام» وترامب يدرس المقترح

في خطوة دبلوماسية لافته ، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماع مجلس الأمن الروسي يوم الأربعاء الماضي، أن موسكو مستعدة للمساهمة في مبادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المعروفة باسم “مجلس السلام”  .

وأشار بوتين إلى إمكانية التبرع بمليار دولار من الأصول الروسية المجمدة في الولايات المتحدة، لدعم جهود إعادة الإعمار في قطاع غزة.

هذا الاقتراح يأتي في سياق توترات دولية مستمرة، خاصة مع الصراع في أوكرانيا، حيث اقترح بوتين أيضاً استخدام الباقي من هذه الأصول لإعادة إعمار المناطق المتضررة في أوكرانيا بعد توقيع اتفاق سلام بين موسكو وكييف. ووصف ترامب الفكرة بأنها “مثيرة للاهتمام جداً”، مما يشير إلى إمكانية تعاون غير متوقع بين الخصمين.

خلفية مبادرة “مجلس السلام”

أطلق الرئيس ترامب مبادرة “مجلس السلام” خلال مشاركته في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي في يناير 2026، كجزء من جهوده لتعزيز السلام في الشرق الأوسط، مع التركيز الأساسي على غزة،و تنص المبادرة على إنشاء مجلس دولي يشرف على التمويل والأمن والتنسيق السياسي في غزة خلال فترة انتقالية بعد وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس.

ويعمل المجلس بالتوازي مع إدارة فلسطينية تكنوقراطية، ويهدف إلى إعادة إعمار المنطقة التي دمرتها الصراعات المستمرة،حيث جاءت الفكرة بعد توسط الولايات المتحدة في اتفاق هدنة العام الماضي، ودعا ترامب عشرات الدول للانضمام إليه، بما في ذلك روسيا وأوكرانيا والصين.
يشترط المجلس دفع مبلغ مليار دولار للحصول على مقعد دائم، بينما يمكن الانضمام مجاناً لمدة ثلاث سنوات. حتى الآن، قبلت دول مثل المجر والمغرب وفيتنام وكازاخستان والأرجنتين الدعوة، بينما أكدت الصين تلقيها الدعوة لكنها لم تقرر بعد. وفقاً لمصادر في واشنطن، يمكن توسيع ولاية المجلس لاحقاً ليشمل صراعات أخرى حول العالم، مثل النزاع في أوكرانيا. هذه المبادرة أثارت جدلاً واسعاً، إذ يراها البعض خطوة نحو السلام، بينما ينتقدها آخرون كأداة لتعزيز النفوذ الأمريكي.

اقرأ أيضاً:مليون دولار لكل مواطن هل يشتري ترامب صمت الجليد في غرينلاند؟

تفاصيل عرض بوتن مليار دولار من أجل السلام

في تصريحه، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين “يمكننا تقديم مليار دولار للمنظمة في الوقت الحالي، حتى قبل أن نقرر ما إذا كنا سنشارك في عمل مجلس السلام”، مشيراً إلى “العلاقات الخاصة بين موسكو والشعب الفلسطيني”. وأضاف أن المبلغ يمكن أن يؤخذ “من الأصول الروسية التي جمدتها الإدارة الأمريكية السابقة”.

أكد بوتين أن روسيا “لطالما دعمت وتواصل دعم أي جهود تهدف إلى تعزيز الاستقرار الدولي” كما شكر ترامب على الدعوة، لكنه أوضح أن موسكو تحتاج إلى مزيد من الوقت لدراسة العرض والتشاور مع شركائها الاستراتيجيين، مثل الصين وإيران.
بالإضافة إلى ذلك، ذكر بوتين أن باقي الأموال المجمدة في الولايات المتحدة   والتي تقدر بحوالي 4-5 مليارات دولار  يمكن إنفاقها على التعافي الاقتصادي للمناطق المتضررة جراء القتال في أوكرانيا، بمجرد التوصل إلى اتفاق سلام.

هذا الربط بين غزة وأوكرانيا يعكس استراتيجية روسية لربط الملفات الدولية، و محاولة تحقيق مكاسب في الشرق الأوسط مقابل تنازلات محتملة في أوروبا الشرقية.

ما هي الأصول الروسية المجمدة؟

الأصول الروسية المجمدة هي احتياطيات مالية واستثمارات روسية تم تجميدها من قبل الدول الغربية كرد فعل على غزو روسيا لأوكرانيا في فبراير 2022. تشمل هذه الأصول احتياطيات العملات الأجنبية، سندات الدين، أسهم، وودائع بنكية تابعة للبنك المركزي الروسي وكيانات حكومية أخرى تم تجميدها بموجب عقوبات دولية أعلنها الاتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة، واليابان، بالتعاون مع مجموعة السبع (G7)، للحد من قدرة روسيا على تمويل حربها.

وفقاً لوكالة أسوشيتد برس وتقارير البنك المركزي الروسي، يقدر إجمالي الأصول المجمدة عالمياً بحوالي 280-330 مليار دولار. معظمها موجود في أوروبا، حيث يحتفظ مركز التسوية المالي البلجيكي “يوروكلير” بحوالي 200 مليار دولار (أو 190-210 مليارات يورو)، وتشمل سندات دين وودائع باليورو والدولار.

في الولايات المتحدة، يبلغ المبلغ المجمد حوالي 4-5 مليارات دولار فقط، وفقاً لتقديرات وزارة الخزانة الأمريكية ومجموعة REPO (التي تضم G7 والأوروبيين). هذه الأصول تشكل جزءاً صغيراً من إجمالي احتياطيات روسيا قبل الغزو، والتي كانت تصل إلى 613 مليار دولار، مع نسبة 11% منها بالدولار.
التجميد يعني عدم السماح لروسيا بالوصول إلى هذه الأموال أو استخدامها، مما يحد من قدرتها الاقتصادية. ومع ذلك، تولد هذه الأصول فوائد سنوية تقدر بـ3-5 مليارات يورو في يوروكلير، وقد استخدمت بعض الدول هذه الفوائد لتمويل قروض لأوكرانيا، مثل قرض G7 بقيمة 50 مليار دولار في 2024. روسيا تعتبر التجميد “سرقة” وتهدد بردود قانونية ومصادرة أصول غربية في روسيا، تقدر بحوالي 300 مليار دولار.

ترامب يصف عرض بوتين بـ’مثير للاهتمام’ ويدرسه كأولوية

رد ترامب على اقتراح بوتين بقوله إنه “مثير للاهتمام جداً”، مضيفاً أن بوتين سيستخدم “أمواله الخاصة”. هذا يشير إلى إمكانية رفع التجميد جزئياً، مما أثار جدلاً في الكونجرس الأمريكي حول قانون REPO الذي يسمح بمصادرة الأصول. في أوكرانيا، اعتبر الاقتراح “مخادعاً”، إذ يرى كييف أن الأصول يجب أن تذهب لتعويض الخسائر الحربية، التي تقدر بمئات المليارات.
في أوروبا، يخشى قادة الاتحاد الأوروبي أن يؤدي رفع التجميد إلى فقدان الرافعة على روسيا، خاصة مع تمسك الاتحاد بتجميد 210 مليارات يورو إلى أجل غير مسمى. على منصة إكس، وصف مستخدمون الاقتراح بـ”شطرنج عبقري” يفضح “النفاق العالمي”، بينما سخر آخرون منه كمحاولة للالتفاف على العقوبات.

يأتي هذا الاقتراح وسط محادثات أمريكية روسية حول أوكرانيا، حيث التقى مبعوثو ترامب مثل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر مع مسؤولين روس. قد يساعد في إنهاء الحرب، لكنه يثير مخاوف من تقوية روسيا. اقتصادياً، قد يؤدي رفع التجميد إلى إعادة توازن في الأسواق العالمية، خاصة مع احتياطيات اليورو والدولار. سياسياً، يعكس تحولاً في علاقات ترامب مع بوتين، رغم التوترات السابقة.

وفي سياق متصل، أكد الدكتور أيمن الرقيب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس والمحلل السياسي، في تصريحات خاصة لـ”داي نيوز”، أن روسيا تمتلك أكثر من 300 مليار دولار من الأصول المجمدة حول العالم، مشيرًا إلى أن نحو نصف هذه الأموال موجود داخل الولايات المتحدة الأمريكية.

وأوضح الرقيب أن مقترح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتشكيل ما يُسمى بـ”مجلس السلام”، والذي يتضمن منح عضوية دائمة للدول التي تساهم بمليار دولار، فتح الباب أمام تحرك سياسي روسي لافت، تمثل في طرح الرئيس فلاديمير بوتين فكرة احتساب مليار دولار من الأموال الروسية المجمدة كحصة لموسكو في هذا المجلس.

وأضاف أن المقترح الروسي لم يقتصر على مسألة العضوية فقط، بل تضمن أيضًا توجيه هذه الأموال نحو ما وصفه بـ”إمارة غزة” أو إدارة قطاع غزة مستقبلًا، وهو ما اعتبره رسالة سياسية مباشرة من الكرملين إلى واشنطن، مفادها أن لدى روسيا أموالًا مجمدة كبرى يمكن إعادة توظيفها في ملفات دولية، ليس فقط في غزة، بل مع تلميحات غير مباشرة لملفات أخرى مثل إعادة الإعمار في أوكرانيا.

وأشار الرقيب إلى أن هذه الخطوة تعكس محاولة روسية لإحداث اختراق في جدار الأزمة المرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية، والبحث عن مسارات سياسية جديدة تفتح الباب أمام حلول تفاوضية، بدل استمرار حالة الجمود العسكري والسياسي الحالية.

وتابع أن الرسالة الروسية لا تتعلق بغزة فقط، بل موجهة أيضًا إلى طبيعة الدور المستقبلي لـ”مجلس السلام” الذي طرحه ترامب، موضحًا أن الوثائق المتداولة حول المجلس تشير إلى أنه لن يكون مخصصًا للقضية الفلسطينية وحدها، بل سيكون كيانًا متعدد المهام، معنيًا بالتعامل مع النزاعات والصراعات في مناطق مختلفة من العالم.

وأوضح الرقيب أن موسكو، من خلال هذا الطرح، تعلن استعدادها للمشاركة في معالجة ملفات دولية متعددة عبر هذا الإطار، مستفيدة من حقيقة أن العلاقات الروسية الأمريكية، رغم توترها، لا تزال أقل سوءًا من مستوى التدهور الحاصل في العلاقات بين موسكو والعواصم الأوروبية.

وقال إن الكرة الآن في ملعب الرئيس ترامب، الذي يملك  إن أراد  الدفع بالمقترح الروسي في اتجاه إيجابي، من خلال تخفيف القيود المفروضة على الأموال الروسية المجمدة، وبدء استخدام جزء منها في إعادة إعمار قطاع غزة عبر هذا المجلس، بما قد يفتح الباب لاحقًا لنقاشات أوسع تتعلق بملفات دولية أخرى.

وحول موازين القوى في الشرق الأوسط، رأى الرقب أن هذه التحركات لم تُحدث حتى الآن تغييرًا جوهريًا، معتبرًا أن الولايات المتحدة ما زالت تسعى للهيمنة على مفاصل القرار الدولي، وفي مقدمتها منطقة الشرق الأوسط، وأن أولويات واشنطن تظل مرتبطة بالحفاظ على نفوذها العالمي أكثر من انشغالها بالتفاصيل الإجرائية للمبادرات المطروحة.

وشدد على أن مسألة تجميد أموال الدول تثير إشكاليات قانونية دولية معقدة، موضحًا أن هذه الأموال ليست أموال أفراد، بل أصول سيادية استُثمرت في شركات عابرة للحدود ومشروعات متعددة الجنسيات، وبالتالي فإن مصادرتها أو تجميدها بشكل دائم يتعارض  من وجهة نظره مع قواعد القانون الدولي.

وأضاف أن الأوروبيين أنفسهم تجنبوا استخدام مصطلح “المصادرة”، واكتفوا بالحديث عن “تجميد مؤقت”، في محاولة لتفادي الوقوع في إشكالات قانونية قد تفتح الباب أمام سوابق خطيرة في العلاقات المالية بين الدول.

واختتم الرقيب تصريحاته بالتأكيد على أن المبادرة الروسية تحمل في طياتها رسالة انفتاح على تسويات سياسية أوسع، تقوم على إعادة تدوير الأموال المجمدة بطريقة تخدم المصالح الروسية من جهة، وتسهم في معالجة أزمات دولية من جهة أخرى، معتبرًا أن موسكو تحاول عبر هذا المسار الانتقال من موقع المواجهة المباشرة إلى موقع الفاعل في ترتيبات سياسية دولية جديدة.

وفي قراءة موازية، قال أحمد الدسوقي، المحلل في الشؤون الدولية، إن الطرح الروسي الخاص بتوظيف جزء من أصوله المجمدة ضمن مبادرة “مجلس السلام” المقترحة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لا يمكن فصله عن محاولة موسكو إعادة إدخال نفسها إلى معادلات الترتيب الدولي من بوابة الاقتصاد لا السلاح.

وأوضح الدسوقي في تصريحات خاصة لـ”داي نيوز” أن روسيا تدرك أن مسار الحرب في أوكرانيا وصل إلى مرحلة استنزاف سياسي واقتصادي، وأن الكرملين بات يبحث عن أدوات ضغط غير عسكرية تعيد له مساحة الحركة على طاولة التفاوض، معتبرًا أن ملف الأصول المجمدة أصبح أحد أهم هذه الأدوات.

وأضاف أن الحديث عن تخصيص مليار دولار من هذه الأموال لا يحمل قيمة مالية بقدر ما يحمل قيمة رمزية وسياسية، إذ تسعى موسكو لإرسال رسالة مفادها أنها ليست مجرد طرف معزول يخضع للعقوبات، بل دولة قادرة على المساهمة في ترتيبات الاستقرار الدولي إذا ما تم الاعتراف بمصالحها.

وأشار إلى أن إدخال ملف غزة ضمن هذا الطرح يمنح روسيا فرصة للظهور كطرف “مشارك في الحلول” داخل منطقة لطالما كانت ساحة نفوذ أميركي تقليدي، وهو ما يمنح المبادرة بعدًا جيوسياسيًا يتجاوز البعد الإنساني أو الإغاثي المعلن.

ولفت الدسوقي إلى أن موسكو تحاول أيضًا خلق رابط غير مباشر بين مساري غزة وأوكرانيا، بحيث يصبح الحديث عن إعادة الإعمار، وإدارة المناطق المتضررة من الحروب، مدخلًا لنقاش أوسع حول تخفيف العقوبات وإعادة دمج روسيا تدريجيًا في الاقتصاد العالمي.

وأكد أن الفكرة بحد ذاتها تضع الإدارة الأمريكية أمام اختبار سياسي وقانوني معقد؛ فقبول توظيف أموال مجمدة يفتح بابًا لإعادة تعريف طبيعة العقوبات، وهل هي أداة ردع مؤقتة أم وسيلة ضغط قابلة لإعادة التفاوض ضمن صفقات سياسية.

وأوضح أن أوروبا تراقب هذا الطرح بحذر شديد، لأن أي سابقة تتعلق بإعادة استخدام أموال سيادية مجمدة قد تنعكس مستقبلاً على النظام المالي الدولي، وتثير مخاوف دول أخرى تحتفظ باحتياطيات واستثمارات خارج حدودها.

واعتبر الدسوقي أن ترامب، إذا تعامل بمرونة مع المقترح، فقد يستخدمه كإنجاز دبلوماسي داخلي يُظهره بمظهر صانع الصفقات القادر على تحويل الأزمات إلى فرص تمويل لمبادرات دولية دون تحميل الخزانة الأميركية أعباء مباشرة.

لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن واشنطن لن تقدم على خطوة كهذه دون مقابل سياسي واضح من موسكو، سواء في الملف الأوكراني أو في ترتيبات أمنية أوسع تتعلق بالتوازنات الدولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى