بنجلاديش بعد حسينة: فراغ السلطة يعيد رسم التحالفات في جنوب آسيا

لم تعد التطورات الأخيرة في بنجلاديش مجرد أحداث عنف طائفي معزولة، بل تحولت إلى مؤشر أوسع على اضطراب بنيوي في الدولة، انعكس مباشرة على علاقاتها الإقليمية، خصوصًا مع الهند.
فمنذ الإطاحة برئيسة الوزراء السابقة الشيخة حسينة في 2024، تعيش البلاد مرحلة انتقالية مضطربة، اتسع فيها الفراغ السياسي والأمني، وبدأت تظهر تداعياته داخليًا وخارجيًا.
العنف كعرض للأزمة وليس سببًا لها
تشير موجة الاعتداءات المتكررة على الأقلية الهندوسية إلى خلل عميق في قدرة مؤسسات الدولة على ضبط الأمن، أكثر مما تعكس صراعًا دينيًا بحتًا. فالاتهامات المتعلقة بإهانة رموز دينية أصبحت ذريعة للعنف، في ظل غياب ردع قانوني حقيقي، ما سمح بتكرار الجرائم خلال فترات زمنية قصيرة.
خلال أقل من ثلاثة أسابيع، سقط عدد من القتلى من أبناء الأقلية الهندوسية، بينهم صحفي وصاحب متجر، في وقائع اتسمت بوحشية واضحة. ويكشف تتابع هذه الجرائم دون محاسبة فعالة عن هشاشة المرحلة الانتقالية، وضعف الإدارة المؤقتة في فرض سيادة القانون.
انهيار الردع القانوني وتآكل الدولة
التقارير الحقوقية المحلية والدولية ترسم صورة قاتمة عن وضع الأقليات في بنجلاديش منذ أغسطس 2024. آلاف الحوادث العنيفة، وتدمير واسع للممتلكات، واعتداءات على دور العبادة، كلها وقائع تؤكد أن القوانين لم تعد تمارس وظيفتها الأساسية في حماية المجتمع.
ويصف مختصون هذا الوضع بحالة “تآكل المعايير”، حيث تستمر القوانين على الورق، لكنها تفقد قدرتها على توجيه السلوك العام أو ردع الانتهاكات، وهو ما يحول العنف إلى أداة سياسية واجتماعية في آن واحد.
من الداخل إلى الإقليم: الأزمة تتجاوز حدود بنجلاديش
أدت هشاشة الوضع الداخلي إلى نقل التوتر خارج الحدود، خاصة مع الهند التي تنظر إلى أمن الأقلية الهندوسية في بنجلاديش كقضية حساسة تمس الرأي العام والسياسة الداخلية الهندية.
ومع تصاعد الأحداث، دخلت العلاقات بين نيودلهي ودكا مرحلة من البرود الحاد، شملت إجراءات دبلوماسية متبادلة ومواقف سياسية متشددة.
هذا التوتر جاء في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، إذ ما تزال تداعيات التصعيد بين الهند وباكستان خلال 2025 حاضرة بقوة، ما جعل أي احتكاك جديد يحمل أبعادًا استراتيجية أوسع من حجمه المباشر.
باكستان والصين على خط الأزمة
في خضم هذا المشهد، برز تقارب متزايد بين بنجلاديش وباكستان، تجلى في اتصالات سياسية وعسكرية رفيعة المستوى، ومباحثات حول صفقات تسليح، من بينها مقاتلات JF-17 المطورة بالتعاون مع الصين.
هذا التحرك يعكس سعي دكا إلى تنويع تحالفاتها الأمنية، وعدم الارتهان الكامل للهند، في ظل شعورها بتراجع النفوذ الهندي داخل المشهد البنجلاديشي بعد سقوط حكومة حسينة.
وبالنسبة لإسلام آباد وبكين، يمثل هذا التحول فرصة لتعزيز حضورهما في دولة كانت تُعد تقليديًا أقرب إلى نيودلهي.
إعادة تموضع بنجلاديش في ميزان القوى الآسيوي
توضح التطورات الأخيرة أن بنجلاديش تمر بمرحلة إعادة تعريف لدورها الإقليمي. فبين ضغط داخلي يتمثل في الانقسام والعنف، وضغط خارجي ناتج عن صراع القوى الكبرى في جنوب آسيا، تحاول دكا إعادة التوازن في علاقاتها، ولو على حساب استقرارها المؤقت.
وفي ظل غياب سلطة سياسية قوية قادرة على فرض الأمن وطمأنة الداخل والخارج، تبقى بنجلاديش ساحة مفتوحة لتنافس النفوذ، مع خطر تحول أزماتها الداخلية إلى ورقة في صراعات إقليمية أكبر.



