تقارير

العراق بين ضغوط واشنطن وحسابات طهران.. هل ينجح في تشكيل حكومته وسط توازنات معقدة؟

كتبت: هدير البحيري

في لحظة تبدو فيها السياسة العراقية وكأنها تتحرك فوق أرض رخوة، تتقاطع الحسابات الداخلية مع الضغوط الخارجية لتصنع مشهدًا بالغ التعقيد. فالصراع على رئاسة الوزراء لم يعد مجرد تنافس داخل البيت الشيعي، بل تحول إلى اختبار حقيقي لميزان القوى في العراق، ولحدود التأثير الدولي في القرار الوطني.

وبينما تتأرجح مواقف القوى السياسية، تتصاعد رسائل واشنطن، وتتجدد حساسيات السيادة، ليجد العراق نفسه أمام مفترق طرق جديد قد يعيد رسم شكل المرحلة المقبلة بالكامل.

تعيش الساحة السياسية العراقية حالة من الترقب الحذر بعد تأجيل اجتماع الإطار التنسيقي، الذي كان من المفترض أن يناقش مستقبل ترشح نوري المالكي لرئاسة الوزراء.

ويقول محللون إن المالكي قد يتجه لإعلان انسحابه من السباق دون الحاجة إلى اجتماع رسمي، وهو ما يعكس حجم التعقيدات التي تحيط بترشيحه، سواء داخل الإطار نفسه أو على مستوى التوازنات الوطنية الأوسع.

لكن الضغوط الداخلية ليست وحدها التي تؤثر في مسار الترشيح. فقد أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جدلًا واسعًا في الأوساط العراقية، بعد أن أعلن رفضه القاطع لعودة المالكي إلى رئاسة الوزراء، معتبرًا أن سياساته السابقة ساهمت في تدهور الأوضاع.

وتزامن ذلك مع موقف أمريكي رسمي آخر، حيث أبلغ وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني أن أي حكومة تهيمن عليها إيران لن تكون قادرة على تقديم مصلحة العراق على ما سواها، محذرًا من تأثير ذلك على العلاقات الثنائية بين بغداد وواشنطن.

في المقابل، أكدت رئاسة الجمهورية رفضها لأي تدخل خارجي في الشأن السياسي العراقي، مشددة على أن تشكيل الحكومة يظل “شأنًا سياديًا خالصًا” يحسم عبر الآليات الدستورية وإرادة الناخبين.

وعلى المستوى الإجرائي، كان الإطار التنسيقي — بصفته الكتلة الأكبر — قد أعلن ترشيح المالكي لرئاسة الوزراء، بالتوازي مع تعقيدات مشابهة في مسار انتخاب رئيس الجمهورية. فقد اضطر مجلس النواب إلى تأجيل جلسة انتخاب الرئيس بسبب استمرار الخلاف بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، حيث يتمسك كل منهما بمرشحه.

ويتنافس 19 مرشحًا على منصب رئيس الجمهورية، أبرزهم فؤاد حسين عن الحزب الديمقراطي الكردستاني، ونزار آميدي عن الاتحاد الوطني. ووفق المادة 76 من الدستور، يمنح الرئيس المنتخب مهلة 15 يومًا لتكليف مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة، على أن يقدم الأخير تشكيلته الوزارية خلال 30 يومًا.

ويرى المحلل السياسي العراقي حسين الأسعد أن إعادة ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء لا تعكس بالضرورة قوة داخل الإطار التنسيقي بقدر ما تكشف عن أزمة بدائل حقيقية بين مكوناته.

ويوضح الأسعد لـ”داي نيوز” أن الإطار الذي يضم ما بين 11 إلى 12 حزبًا شيعيًا، يواجه خلافات داخلية واضحة، لا سيما من قبل تيار الحكمة بقيادة عمار الحكيم، وكتلة صادقون بقيادة قيس الخزعلي، وهما من أبرز الأطراف المتحفظة على إعادة طرح اسم المالكي.

ويشير الأسعد إلى أن الإشكالية لا تكمن فقط في التحفظ على المالكي، بل في عجز الكتل المعترضة عن تقديم بديل توافقي قادر على منافسته داخل الإطار، خصوصًا في ظل النزاع السابق بين المالكي، زعيم ائتلاف دولة القانون، وبين رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني الذي يقود كتلة الإعمار والتنمية.

وبحسب الأسعد، فإن الإطار كان يفترض أن يخرج بمرشح موحد يحظى بإجماع داخلي، بدلًا من مشهد الانقسام الذي ظهر إلى العلن.

وفي ما يتعلق بتحذيرات ترامب بشأن عودة المالكي، يلفت الأسعد إلى أن الخلافات داخل الإطار سبقت التغريدة الأمريكية، إلا أن الموقف الأمريكي نقل المنافسة من إطارها السياسي الداخلي إلى مستوى القلق من تداعيات خارجية محتملة.

فواشنطن، بحسب قراءته، تملك أوراق ضغط حقيقية، سواء عبر المساعدات الاقتصادية والاستخباراتية، أو من خلال تحكمها بالدورة المالية لعائدات النفط العراقي المودعة في النظام المالي الأمريكي، في وقت يعتمد فيه العراق بنسبة تقارب 90% على الإيرادات النفطية لتمويل موازنته.

ويحذر الأسعد من أن أي تصعيد أمريكي قد يفاقم الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها العراق أساسًا، ما قد ينعكس سلبًا على الحكومة المقبلة ويحسب فشلًا على مجمل قوى الإطار التنسيقي، لا على شخص رئيس الوزراء وحده.

وعن احتمالية عودة أجواء الانقسام الطائفي التي رافقت الولاية الأولى للمالكي، يستبعد الأسعد تكرار السيناريو ذاته، مشيرًا إلى أن الظروف التي غذت الاقتتال الطائفي في تلك المرحلة لم تعد قائمة بالشكل نفسه. لكنه في نفس الوقت لا ينفي وجود هواجس لدى بعض القوى السنية، وعلى رأسها محمد الحلبوسي، الذي أبدى اعتراضه على إعادة طرح المالكي، سواء بدافع رد الاعتبار السياسي أو بدافع التخوف من استعادة خطاب قد يفسر بأنه يحمل إيحاءات طائفية، حتى وإن كان ذلك على المستوى النظري لا العملي.

كما يلفت الأسعد إلى أن العلاقة المتشابكة بين المالكي ورئيس إقليم كردستان السابق مسعود بارزاني، إضافة إلى توازنات القوى داخل المكون السني، تجعل مسألة التوافق الوطني أكثر تعقيدًا، وإن كانت لا تصل إلى حد الانقسام الحاد كما في السابق.

وفي ما يخص خطاب “السيادة” الذي قد يتبناه المالكي، يرى الأسعد أنه يخدم هدفين متوازيين: الأول مواجهة الضغوط الأمريكية عبر إظهار قدر من التحدي السياسي، والثاني تعزيز موقعه داخل البيت الشيعي وتأكيد قدرته على الإمساك بزمام الأمور. فالتراجع، برأيه، قد يفسر داخل بعض الأوساط الشيعية على أنه ضعف في القدرة على إدارة الدولة أو تمثيل المكون الأكبر سياسيًا.

أما على مستوى السياسة الخارجية، فيؤكد الأسعد أن العراق في أمس الحاجة إلى لعب دور التوازن بين طهران وواشنطن. فالعلاقة مع إيران تحكمها اعتبارات جغرافية وحدودية تمتد لأكثر من 1400 كيلومتر، فضلًا عن امتدادات اجتماعية وعقائدية داخلية، في حين تبقى الولايات المتحدة شريكًا مهمًا في الجوانب الاقتصادية والأمنية. ومن هنا، فإن نجاح أي رئيس وزراء مقبل مرهون بقدرته على إدارة هذا التوازن الدقيق، من دون أن يتهم بالانحياز أو العمالة لهذا الطرف أو ذاك، خاصة في ظل ما يصفه الأسعد بحالة “التسامح الصفري” بين واشنطن وطهران، حيث قد تترتب عقوبات فورية على أي خطوة تفسر بأنها خروج عن الاصطفاف.

ويضيف الأسعد أن وجود السلاح خارج إطار الدولة وتعقيدات المشهد الإقليمي، بما في ذلك ما يجري في سوريا، يزيد من حساسية المرحلة ويضاعف مسؤولية القيادة التنفيذية في منع انزلاق العراق إلى محور ضد آخر.

وفي ملف الأمن، يستبعد الأسعد أن تؤثر تحركات تنظيم داعش على مسار تشكيل الحكومة. فالعراق، بحسب تقديره، لم يعد عراق عام 2014، حين سيطر تنظيم داعش على مساحات واسعة من البلاد.

ويقول الأسعد إن الحواضن الاجتماعية لتنظيم داعش تراجعت بشكل واضح اليوم، خصوصًا في المناطق الغربية، مشيرًا إلى أن قدرات الأجهزة الأمنية والاستخباراتية تطورت بما يكفي لحصر تهديدات التنظيم في عمليات محدودة أو ما يعرف بـ”الذئاب المنفردة”.

ويضيف أن العداء المشترك لتنظيم داعش شكل عاملًا للتقاطع الأمني بين بغداد ودمشق، وأن هذا المعطى يقلل من فرص عودة التنظيم إلى التأثير في القرار السياسي الداخلي أو فرض نفسه على معادلة تشكيل الحكومة.

ويخلص الأسعد إلى أن معركة رئاسة الوزراء داخل الإطار التنسيقي تعكس توازنات دقيقة بين اعتبارات داخلية وخارجية، وأن نجاح أي مرشح — وفي مقدمتهم المالكي — لن يتوقف على قدرته في حسم الخلافات داخل البيت الشيعي فحسب، بل على إدارة شبكة معقدة من الضغوط الإقليمية والدولية، والحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية في الوقت نفسه.

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى