الحوثيون يصادرون معدات أممية… هل هي خطة بديلة لإيران؟
أفادت تقارير تابعة الأمم المتحدة بأن عناصر الحوثيين دخلوا ستة مكاتب غير مأهولة تابعة للمنظمة في صنعاء يوم الخميس الماضي، واستولوا على معدات اتصالات هامة وعدد من السيارات التابعة للأمم المتحدة، ونقلوها إلى مكان غير معلوم. يأتي هذا الحادث في سياق تزايد القيود على الوصول الإنساني إلى المناطق الخاضعة للحوثيين، مما يهدد بتعطيل المساعدات لنحو 21 مليون شخص يحتاجون إلى دعم عاجل.
يربط هذا الاستيلاء بأحداث سابقة شهدت احتجازاً أو مصادرة لأصول دولية أو مساعدات، ويعكس استراتيجية الحوثيين في تعزيز مواردهم المحلية وسيطرتهم على البنية التحتية، رغم الضغوط الدولية والإنسانية. لم تصدر الجماعة بياناً رسمياً فورياً يوضح دوافع الخطوة، لكنها تتناسب مع نمط من التصعيد يشمل الضغط على الجهات الدولية للاعتراف بسلطتهم أو التفاوض على شروطهم.
اقرأ أيضاً:السعودية تؤكد ثبات موقفها تجاه إيران وتدعو للحوار والدبلوماسية
شهدت العلاقة بين الحوثيين والولايات المتحدة تحولاً في مايو 2025، عندما تم التوصل إلى هدنة بوساطة عمانية أنهت حملة ضربات جوية أمريكية مكثفة استمرت أسابيع. بموجب الهدنة، وافق الحوثيون على وقف الهجمات على السفن الأمريكية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، مقابل وقف الولايات المتحدة للضربات على أهدافهم. أعلن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الهدنة كإنجاز، بينما وصفها الحوثيون بأنها تراجع أمريكي.
يأتي ذلك وسط تحرك حاملة طائرات أمريكية نحو المنطقة مرتبط بتوترات مع إيران. لا يوجد تقدم كبير نحو تسوية شاملة، والتركيز يبقى على تجنب التصعيد المباشر مع واشنطن، بينما يستمر الضغط على أهداف أخرى.
كيف تدعم إيران الحوثيين ؟
ترتبط الجماعة بإيران بعلاقة تحالفية وثيقة تشمل دعماً عسكرياً صواريخ باليستية، طائرات مسيرة، مكونات أسلحة مضادة للدبابات، تدريباً، ودعماً لوجستياً واستخباراتياً يقدمه الحرس الثوري الإيراني .
وإيران هي المستفيد الأساسي، وتعترف بحكومة الحوثيين في صنعاء، وتُعتبر الحوثيون جزءاً من “محور المقاومة”.
مع ذلك يحتفظ الحوثيون بدرجة عالية من الاستقلالية في القرار فهم ليسوا وكلاء مباشرين بل شركاء إيديولوجياً وسياسياً، يخدمون مصالح إيران في إضعاف الخصوم وتعزيز النفوذ في مضيق باب المندب دون توريط طهران مباشرة. يساعد هذا الدعم الحوثيين على تطوير قدرات محلية متقدمة، مما يجعل العلاقة تحالفاً متبادلاً وليس تبعية كاملة.
المخاوف الإسرائيلية وتطورات البحر الأحمر
يثير النشاط الحوثي قلقاً إسرائيلياً عميقاً، سواء من الهجمات المباشرة على إسرائيل صواريخ وطائرات مسيرة عبر مئات الكيلومترات أو من حملة البحر الأحمر التي بدأت أكتوبر 2023 دعماً لغزة.
استهدف الحوثيون سفناً مرتبطة بإسرائيل أو متجهة إلى موانئها، مما أجبر شركات الشحن على الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، وزاد التكاليف والتأمين، وأثر على التجارة العالمية (حوالي 15% من التجارة البحرية تمر بالبحر الأحمر).
ردت إسرائيل بضربات جوية على أهداف حوثية في الحديدة وصنعاء وعمران (2024-2025)، خاصة بعد إصابات في تل أبيب. تخشى إسرائيل استئناف الحملة بعد هدنة غزة (أكتوبر 2025) التي أوقفت الهجمات مؤقتاً، خاصة مع التهديدات الجديدة في يناير 2026 والروابط مع حزب الله وحماس في “محور المقاومة”. يُنظر إلى الحوثيين كتهديد استراتيجي يفتح جبهة جنوبية، يعقد الأمن البحري، ويستنزف الموارد العسكرية الإقليمية.
يعزز استيلاء الحوثيين على معدات الأمم المتحدة صورتهم كقوة مهيمنة محلياً، لكنه يفاقم عزلتهم دولياً ويعرقل أي تقدم في عملية السلام اليمنية. ترتبط هذه الخطوات بدعم إيراني يمنح الجماعة قدرة على الضغط الإقليمي، مما يثير مخاوف إسرائيلية من حرب متعددة الجبهات ويضع البحر الأحمر على حافة التوتر رغم الهدنات الهشة.
من جانبه ترى الدكتورة تمارا حداد، المحللة السياسية، أن استيلاء الحوثيين على معدات تابعة للأمم المتحدة يُعد دليلاً واضحاً على تبعيتهم لإيران، مؤكدة أن الجماعة تمثل أحد الأذرع الإقليمية لطهران، سواء من حيث الدعم أو التدريب أو التمويل.

وأشارت إلى أن العلاقة بين الطرفين لم تعد موضع شك، فالدعم بحسب وصفها يأتي من إيران، والتدريب يتم عبر الحرس الثوري، بينما يتحرك الحوثيون ضمن أجندة إيرانية أوسع في المنطقة.
وأوضحت حداد أن السيطرة على معدات أممية تمثل سابقة خطيرة سياسياً وقانونياً، لأن الأمر لا يتعلق بخصم محلي أو طرف داخلي في النزاع، بل بوكالة دولية تتمتع بحصانة أممية.
وترى أن هذه الخطوة تعكس تحولاً في سلوك الحوثيين، إذ لم يعودوا يكتفون بالسيطرة الداخلية داخل اليمن، بل باتوا يتعاملون مع المنظمات الدولية كجهات خصم، في تجاهل واضح للحصانة الدولية، واستخدام العمل الإنساني كورقة ضغط وابتزاز سياسي، على غرار ما تصفه بـ“النموذج الإيراني” في إدارة الصراعات.
وأشارت أن ما يحدث يكشف عن تحول وظيفي واضح في دور الحوثيين فالجماعة، وفق تقديرها، لم تعد فاعلاً محلياً يمنياً فحسب، بل تحولت إلى ورقة إيرانية في البحر الأحمر، وأداة ضغط على الغرب، وذراع مؤثرة في صراع النفوذ الإقليمي.
و أن قرار الحوثيين لم يعد يمنياً خالصاً، بل أصبح جزءاً من معادلة إيرانية أوسع، تُستخدم فيها الجماعة لخدمة أهداف استراتيجية تتجاوز حدود اليمن.
وفي ما يتعلق بتهديد الحوثيين للملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، تعتبر حداد أن هذا السلوك يمهد لتصعيد عسكري محتمل ولفرض عقوبات وتشديد إجراءات دولية بحق الجماعة.
وشددت على أن البحر الأحمر ومضيق باب المندب يمثلان ممراً استراتيجياً عالمياً، وأي تهديد لهما ينعكس مباشرة على التجارة الدولية، وهو ما لن يسمح به الغرب على حد تعبيرها كما لم يسمح سابقاً بتهديدات مماثلة في مضيق هرمز.
كما تتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة ضربات عسكرية موجهة ومحدودة ضد أهداف عسكرية حوثية، إلى جانب عمليات اغتيال لشخصيات قيادية، وفرض عقوبات إضافية، وصولاً إلى تعزيز مساعي تصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية.
ورجحت تشديد القيود المالية واللوجستية عليهم، وتحميلهم المسؤولية القانونية والسياسية والأمنية عن أي تعطيل لحركة الملاحة الدولية.
وأكدت في النهاية أن المجتمع الدولي لن يصبر طويلاً على ما يقوم به الحوثيون، معتبرة أن الجماعة ستُعامل كحركة متمردة عابرة للحدود تعمل لمصلحة إيران. وترى أن طهران تستخدم أوراقها الإقليمية للضغط على الولايات المتحدة والغرب، وأن البحر الأحمر أصبح ساحة ابتزاز جيوسياسي، ما يجعل التصعيد الدولي ضد الحوثيين ومن خلفهم إيران مسألة وقت إذا استمر الوضع على ما هو عليه.
كما يرى زهير ماجد، الباحث والمحلل في الشؤون الإقليمية، أن استيلاء الحوثيين على معدات تابعة للأمم المتحدة لا يمكن فصله عن طبيعة ارتباط الجماعة بالمشروع الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا السلوك يعكس درجة عالية من الانسجام السياسي والعسكري بين الحوثيين وطهران. ويشير إلى أن الدعم الذي تتلقاه الجماعة سواء على مستوى التدريب أو التمويل أو التسليح يضعها عملياً ضمن شبكة النفوذ الإيراني، وليس مجرد فاعل محلي يتحرك بدوافع يمنية داخلية بحتة.
وأكد ماجد أن البحر الأحمر تحوّل إلى ساحة ضغط استراتيجية، تستخدمها طهران بشكل غير مباشر عبر الحوثيين لإيصال رسائل سياسية وأمنية للغرب. فبدلاً من المواجهة المباشرة، تعتمد إيران بحسب تحليله على أدوات محلية قادرة على تهديد الممرات البحرية الحساسة، ما يمنحها قدرة على التأثير في التوازنات الدولية بكلفة أقل ومساحة إنكار أوسع.
وأضاف ماجد أن ما يثير القلق دولياً هو أن الحوثيين باتوا يتصرفون كفاعل عابر للحدود، لا تقتصر عملياته على الجغرافيا اليمنية، بل تمتد لتؤثر في سلاسل الإمداد والتجارة العالمية. وهذا التحول من حركة تمرد محلية إلى لاعب مؤثر في أمن الممرات البحرية يعكس، برأيه، نقلة نوعية في طبيعة الصراع، ويجعل من البحر الأحمر نقطة تماس مباشرة بين إيران والغرب، وإن كان ذلك عبر وسطاء.


