
كتبت: شروق محمد
وسط حي فورت غرين الهادئ في مدينة نيويورك، حيث تصطف المنازل المنخفضة وتنتشر الشوارع المشجرة، ترتفع كتلة خرسانية ضخمة تخفي خلفها واحداً من أكثر السجون الأمريكية تشديداً للرقابة. هناك، في مركز الاحتجاز المتروبوليتاني، بدأ فصل جديد في مسار الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو، الذي أصبح منذ أيام نزيلاً في منشأة طالما وصفت من قبل نزلائها والناشطين الحقوقيين بأنها “جحيم على الأرض”.
السجن، الذي تبلغ طاقته الاستيعابية نحو 1800 نزيل، يقع على ضفاف خليج نيويورك بالقرب من منطقة Industry City الصناعية التي أعيد تطويرها لتضم أنشطة تجارية وترفيهية، وعلى مقربة من مقبرة غرينوود الشهيرة، إحدى أجمل معالم بروكلين. ورغم هذا الموقع اللافت، فإن ما يميز المكان ليس المشهد الخارجي، بل بنيته القاسية التي تعتمد على جدران من الخرسانة المسلحة، ونوافذ محاطة بالقضبان الحديدية، إضافة إلى شبكة كثيفة من كاميرات المراقبة التي تغطي كل الزوايا والممرات. هذا المبنى الإسمنتي، الذي افتتح عام 1975، صُمم ليكون حصناً أمنياً مغلقاً أكثر منه مجرد مركز احتجاز تقليدي.
ويعرف مركز الاحتجاز المتروبوليتاني باستضافة المتهمين من أصحاب القضايا الحساسة أو “الملفات الثقيلة”، لكنه لا يعد سجناً لتنفيذ الأحكام النهائية، بل مخصص لاحتجاز المتهمين أثناء انتظارهم للمثول أمام القضاء أو بدء محاكماتهم. ويخضع النزلاء داخله لنظام صارم للغاية، مع إجراءات أمنية مشددة وتغيير مستمر في طواقم الحراسة، ما يخلق بيئة توصف بالعدائية والضاغطة نفسيًا، خصوصًا بالنسبة للشخصيات البارزة.
وعلى مدار السنوات الماضية، مر عبر هذا السجن عدد من أشهر الأسماء في عالم الجريمة والسياسة والفن، من بينهم زعيم كارتل سينالوا المكسيكي خواكين “إل تشابو” غوزمان، وشريكه السابق إسماعيل “إل مايو” زامبادا، ورافائيل كارو كوينتيرو مؤسس كارتل غوادالاخارا، إضافة إلى مغني الراب والمنتج الموسيقي الأمريكي شون “ديدي” كومبس. هذه الأسماء ساهمت في ترسيخ سمعة السجن كمكان يجمع أخطر المتهمين وأكثرهم إثارة للجدل.
ورغم خضوعه لإدارة مكتب السجون الفيدرالي الأمريكي، فإن المركز كان محور انتقادات واحتجاجات متكررة من نشطاء حقوق الإنسان، الذين تحدثوا عن ظروف احتجاز سيئة تشمل زنازين باردة وغير مهيأة، وسوء جودة الطعام، ووجود حشرات وديدان في الوجبات، إضافة إلى عنف بعض عناصر الحراسة، واكتظاظ المرافق، ونقص الموارد، وخطورة التنقل داخل الممرات والأماكن المشتركة. هذه الشكاوى المتكررة دفعت كثيرين إلى وصف السجن بأنه غير ملائم للاحتجاز الإنساني.
وفي أول تحرك قضائي منذ احتجازه، غادر مادورو السجن يوم الإثنين تحت حراسة مشددة، حيث نُقل إلى محاكم المقاطعة الجنوبية لمانهاتن للمثول أمام القاضي، حيث تُليت عليه التهم وبدأت الإجراءات الأولية لمعالجة قضيته. وتكتسب هذه الخطوة دلالة خاصة، إذ تقع تلك المحاكم بالقرب من الموقع نفسه الذي شهد في يونيو 2024 إدانة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في قضايا جنائية، في مفارقة تعكس حساسية المشهد القضائي والسياسي في الولايات المتحدة.



