الاتفاق الإسرائيلي–السوري: التعاون الاستخباراتي كأداة لإدارة الصراع

أثار الإعلان عن وجود اتفاق إسرائيلي–سوري يخص التنسيق الأمني وتبادل المعلومات الاستخباراتية صدمة لدى المتابعين، إذ يمثل تحولًا غير معتاد في علاقة بلدين ظلا رسميًا في حالة حرب لأكثر من سبعة عقود.
الاتفاق لا يشير إلى حل سياسي شامل، لكنه يعكس براغماتية واضحة في إدارة التهديدات الأمنية على الحدود، خصوصًا في مناطق التماس الحساسة مثل هضبة الجولان.
الخلفية التاريخية والتوتر المستمر
منذ إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948، دخلت سوريا وإسرائيل في مسار طويل من النزاع، شهد حروبًا مباشرة أبرزها حرب 1967 التي احتلت فيها إسرائيل الجولان، وحرب أكتوبر 1973 التي حاولت فيها دمشق استعادتها.
اتفاق فصل القوات عام 1974 أرسى هدوءًا نسبيًا على الجبهة السورية–الإسرائيلية، لكنه لم ينهي حالة الحرب، بل اقتصر على تنظيم خطوط التماس ومنع الاحتكاك المباشر تحت إشراف الأمم المتحدة.
على مدى العقود التالية، ظلت الحدود السورية–الإسرائيلية من أكثر الجبهات هدوءًا نسبيًا، لكن هذا الهدوء قائم على توازن ردع دقيق وحسابات سياسية معقدة. منذ تسعينيات القرن الماضي، ظهرت تقارير عن قنوات اتصال غير رسمية، أحيانًا عبر وسطاء دوليين، هدفها إدارة النزاع وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة.
مع اندلاع الأزمة السورية عام 2011، كثفت إسرائيل ضرباتها داخل الأراضي السورية لمنع نقل أسلحة متقدمة إلى جهات تعتبرها معادية، بينما رأت دمشق في هذه الضربات انتهاكًا صارخًا للسيادة.
دوافع الاتفاق الاستخباراتي
الاتفاق الجديد جاء مناقضةً للمعايير التقليدية للسلام، فهو يركز على الأمن وإدارة المخاطر، لا على الحلول السياسية. ويُعزى ظهور هذا التوجه إلى عدة عوامل:
إسرائيل: تبحث عن أداة لرصد التحركات غير المتوقعة قرب الحدود، منع تسلل مجموعات مسلحة، وتقليل المخاطر الناتجة عن سوء التقدير العسكري.
سوريا: تسعى للحد من الغارات الإسرائيلية على أراضيها، واستعادة الحد الأدنى من السيطرة على الأوضاع على حدودها، وإظهار قدرتها على إدارة السيادة ولو جزئيًا.
الولايات المتحدة: لعبت دورًا محوريًا في تيسير هذا التفاهم، في إطار مساعيها لمنع انفجار جبهة جديدة في الشرق الأوسط، وتعزيز الاستقرار الإقليمي دون الدخول في مفاوضات سلام شاملة قد تواجه عقبات سياسية محلية للطرفين.
الاتفاق لا يتناول قضايا جوهرية مثل مستقبل الجولان أو الاعتراف المتبادل، مؤكدًا أنه اتفاق وظيفي ومؤقت لإدارة الصراع، وليس سلامًا سياسيًا أو حلاً جذريًا للنزاع.
طبيعة التعاون الاستخباراتي
تبادل المعلومات الاستخباراتية بين دولتين في حالة عداء رسمي يعتبر خطوة استثنائية، إذ تمس جوهر السيادة والأمن القومي.
المصادر الإسرائيلية تشير إلى أن نوع المعلومات المتبادلة سيكون محدودًا ويركز على التحركات العسكرية الميدانية والأنشطة التي قد تؤدي إلى تصعيد غير مرغوب فيه.
وجود قناة استخباراتية مشتركة يقلل من فرص سوء التقدير العسكري، ويتيح تفسير تحركات الطرف الآخر بدقة أكبر، ما يقلل احتمال اندلاع مواجهات غير مقصودة.
لكن الاتفاق هش بطبيعته، إذ تخشى سوريا استغلال إسرائيل له للتسلل استخباراتي، بينما تخشى إسرائيل مصداقية المعلومات السورية وإمكانية تسريبها أو استخدامها ضدها.
مآلات الاتفاق على الصعيد الإقليمي
الاتفاق يوضح التحول نحو إدارة الصراع بدلًا من السعي لحله، ويُعد نموذجًا للبراغماتية السياسية في الشرق الأوسط.
على المدى المتوسط، قد يسهم الاتفاق في تقليل التصعيد على الحدود وحماية المدنيين والمناطق الحساسة، لكنه لا يعالج جذور الصراع، مثل السيادة، الاعتراف المتبادل، أو مصير الأراضي المحتلة.
بعبارة أخرى، يظل الاتفاق أداة مؤقتة وذكية لإدارة اللحظة الراهنة، وليس بداية لمسار سلام شامل. وهو يمثل مرحلة انتقالية حيث تتقدم الاستخبارات على السياسة، وتصبح إدارة المخاطر أولوية، بينما تظل القضايا الجوهرية معلقة والشكوك متبادلة بين الطرفين.



