إيران على حافة الانهيار الاقتصادي: تضخم قياسي وانهيار العملة يضاعف أزمة المعيشة

تشهد إيران انهيارًا تاريخيًا للعملة المحلية، حيث تراجع الريال بنسبة 55% في السوق الموازية مقابل الدولار ليصل إلى نحو 1.37 مليون ريال للدولار، ما أدى إلى شلل في سلاسل التوريد وارتفاع تكاليف الاستيراد بما يفوق قدرة الميزانية العامة التي تعاني من عجز يتجاوز 30% من الإنفاق المخطط، أي نحو 12.5 مليار دولار، وحاولت الحكومة السيطرة على الأزمة عبر ضخ محدود للعملة الصعبة وتشديد الرقابة على مكاتب الصرافة، إلا أن هذه الإجراءات لم تكن كافية أمام اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والواقعي للريال.
البطالة والفقر وأزمة اجتماعية متفاقمة
تفاقمت البطالة بشكل كبير، إذ تشير البيانات الرسمية إلى معدل 9.2%، لكن دراسات برلمانية تكشف عن وضع أصعب يتجاوز 28% بين الشباب والخريجين، ويعيش أكثر من 30 مليون إيراني تحت خط الفقر المطلق، في حين أن الدعم النقدي المقدم لا يتجاوز 400 ألف ريال للفرد، أي حوالي 0.44 دولار، وهو مبلغ لا يواكب تآكل القوة الشرائية، ما دفع إلى احتجاجات شعبية في بازار طهران حيث عبّر التجار عن قلقهم من القيود المصرفية وارتفاع الضرائب إلى 40% لتغطية العجز النفطي.
انكماش الاقتصاد الإيراني
سجل الاقتصاد الإيراني انكماشًا بنسبة 0.6% خلال النصف الأول من السنة المالية، متأثرًا بالعقوبات وسوء الإدارة الهيكلية، مع تراجع قطاع البناء بنسبة 12.9% تلاه القطاعات الصناعية والزراعية، بينما لم يعوض الإنتاج النفطي الطفيف (+1.1%) هذا الركود العميق، وفي الوقت نفسه ارتفع التضخم الإجمالي إلى 52.6%، مع زيادة أسعار الغذاء التي تجاوزت 72%، ما أدى إلى مزيد من تآكل القوة الشرائية للمواطنين.
أسباب الأزمة: تراكم ضغوط داخلية وخارجية
يرى خبراء أن الانهيار الاقتصادي الحالي نتيجة تراكم سنوات من الضغوط، بدءًا من العقوبات الدولية بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في 2018، مرورًا بالتوترات الجيوسياسية والصراعات الإقليمية التي خنقت الموارد الأساسية للبلاد وخاصة صادرات النفط، وأضافوا أن السياسات المالية والنقدية قصيرة المدى لم تعد فعّالة، فالتدخلات المحدودة للبنك المركزي لم توقف انهيار الريال، وزيادة القاعدة النقدية لتمويل العجز ساهمت في زيادة التضخم بدل تخفيفه، كما أن الاعتماد الكبير على النفط وغياب الاستثمار في القطاعات غير النفطية جعل الاقتصاد هشًا أمام أي صدمة مع تضخم هيكلي متجذر.
أزمة هيكلية وعجز عن الإصلاح
تواجه إيران أزمة هيكلية عميقة مع عجز عن تقديم حلول جذرية، ورغم أن الإيرادات من صادرات النفط تصل إلى 28 مليار دولار سنويًا، إلا أن هذه الأموال وُجهت إلى الجهد الأمني بدل الاستثمار الاقتصادي، ويقدر الخبراء أن الاقتصاد يحتاج إلى أكثر من 300 مليار دولار لاستعادة التوازن، بينما العقوبات الأمريكية على الشركات الصينية تحد من المناورة المالية للحكومة.
تغييرات في قيادة البنك المركزي
في محاولة لتهدئة السوق، قدّم محافظ البنك المركزي محمد رضا فرزين استقالته، وعُيّن عبد الناصر همتي، وزير الاقتصاد السابق، محافظًا جديدًا للبنك المركزي، مع مهمة التركيز على كبح التضخم والسيطرة على سعر الصرف ومعالجة اختلالات القطاع المصرفي.
مستقبل الاقتصاد الإيراني
تشير تحليلات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ووحدة الاستخبارات الاقتصادية إلى أن إيران تواجه تباطؤًا حادًا وتحديات نقدية غير مسبوقة، فقد خلق التوسع النقدي لتمويل العجز فجوة واسعة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الحرة، ما أدى إلى بيئة عدم يقين مزمنة، ورغم الاعتماد على صادرات النفط لتجاوز العقوبات لم توفر السيولة الكافية لإصلاح البنية التحتية، فيما وصف محللو “بلومبيرج إيكونوميكس” الوضع بأنه تآكل صامت للأصول وهروب رؤوس الأموال بعيدًا عن الريال المتراجع، وأدت أزمة الغلاء المعيشي والتضخم إلى اندلاع أكبر موجة احتجاجات منذ سنوات شملت التجار والجامعات ومدنًا متعددة، وردت الحكومة بمحاولات تهدئة تضمنت استبدال محافظ البنك المركزي، ومنح إجازات رسمية، وتعليق الدراسة حضوريًا، مع تأكيد الرئيس على أن تحسين مستوى معيشة المواطنين يمثل خطًا أحمر.



