تقارير

لماذا ترى أنقرة التحالف السعودي–الباكستاني بوابتها الكبرى نحو الشرق؟

كتبت: هدير البحيري

في خضم التحولات الجيوسياسية المعقدة في الشرق الأوسط وجنوب آسيا، تتجه تركيا نحو الانضمام إلى تحالف دفاعي سعودي–باكستاني، في خطوة تحمل دلالات استراتيجية كبيرة قد تعيد رسم موازين القوى الإقليمية.

التحالف المرتقب لا يقتصر على التعاون العسكري فحسب، بل يعكس سعي أنقرة لتوسيع نفوذها خارج حدود الناتو، واستثمار تقاطع مصالحها مع الرياض وإسلام آباد لتعزيز الردع الأمني في مناطق حساسة، من الشرق الأوسط إلى جنوب آسيا وحتى إفريقيا.

إطار التعاون الدفاعي: ربط القدرات بالردع المشترك

لا يقوم التحالف الدفاعي القائم بين السعودية وباكستان على تبادل المصالح العسكرية فحسب، بل يؤسس لصيغة ردع جماعي تتجاوز منطق الشراكات الثنائية التقليدية. فالاتفاق الدفاعي الاستراتيجي الذي وقعته الرياض وإسلام آباد في سبتمبر الماضي، واعتمد مبدأ اعتبار أي اعتداء على أحد الطرفين هجومًا على الطرف الآخر، يعكس تحولًا نوعيًا في التفكير الأمني الإقليمي، مستلهمًا نموذج المادة الخامسة في حلف شمال الأطلسي، بوصفه أحد أكثر صيغ الردع الجماعي فاعلية.

ومع توجه تركيا للانضمام إلى هذا الإطار، يكتسب مفهوم الردع بعدًا أكثر اتساعًا وتعقيدًا، إذ تضيف أنقرة خبرتها العسكرية المتراكمة داخل الناتو، وقدرتها على الربط بين مسارح جغرافية متعددة تمتد من شرق المتوسط إلى جنوب آسيا.

ويمنح الموقع الجيوسياسي التركي، إلى جانب تطور صناعاتها الدفاعية، التحالف المحتمل قدرة أكبر على بناء شبكة أمان مشتركة لا تقتصر على رد الفعل العسكري، بل تشمل إدارة الأزمات وإرسال إشارات ردع سياسية وعسكرية متزامنة على المستويين الإقليمي والدولي.

تركيا والسعودية: شراكة اقتصادية ودفاعية متنامية

تشهد العلاقات الدفاعية بين أنقرة والرياض نموًا ملحوظًا وتعميقًا ملموسًا في التعاون العسكري والتقني، ضمن مسار أوسع لإعادة بناء شبكة التحالفات الإقليمية.

ففي يوليو 2025، وقع البلدان خطة تنفيذية للتعاون الدفاعي تضمنت اتفاقيات لتزويد السعودية بطائرات بدون طيار من الصناعة التركية، في خطوة تهدف إلى تعزيز جاهزية القوات المسلحة السعودية وقدراتها القتالية، بدعم مباشر من القيادة السعودية.

كما أظهرت الاجتماعات المشتركة بين وزيري دفاع البلدين بحث آفاق توسيع التعاون في التدريب العسكري، التصنيع المشترك، وتبادل الخبرات الدفاعية، في إطار استراتيجية أوسع لدعم أمن واستقرار المناطق الحساسة.

وتعمل الرياض وأنقرة على تعميق التعاون في الصناعات الدفاعية والتقنية، بما يشمل نقل التكنولوجيا وفتح مجالات مشتركة لتطوير القدرات المحلية، تماشيًا مع رؤية السعودية 2030 لتوطين صناعة الدفاع وتنويع الاقتصاد.

ويمثل السوق السعودي فرصة كبيرة للصناعات الدفاعية التركية، بما في ذلك الطائرات المسيرة المتقدمة، ما يعكس استراتيجية أنقرة في توظيف تصدير التكنولوجيا العسكرية كأداة نفوذ لتعزيز موقعها الإقليمي.

وتظهر هذه الشراكة المتنامية حرص السعودية على تنويع مصادر شراكات الدفاع وتقليل الاعتماد على الموردين التقليديين، وفي الوقت نفسه تمكن تركيا من توسيع نطاق صادراتها الدفاعية وتعزيز دورها كلاعب فاعل في الأمن الإقليمي.

تركيا وباكستان: تحالف عسكري واستراتيجي طويل الأمد

تمتد العلاقات التركية–الباكستانية لسنوات طويلة، وشملت التعاون العسكري تطوير السفن الحربية، تحديث طائرات “إف-16″، تبادل تقنيات الطائرات المسيرة، والمشاريع المستقبلية مثل المقاتلات التركية من الجيل الخامس.

ويعكس هذا التعاون رؤية مشتركة لاستغلال القدرات العسكرية لتعزيز المكاسب الاقتصادية وتحقيق النفوذ الإقليمي، خاصة في ظل التوترات الإقليمية مثل الاشتباكات بين باكستان والهند والخلافات المستمرة مع أفغانستان، ما يزيد الحاجة إلى تحالف دفاعي متين قادر على تعزيز الردع المشترك.

وتتسم العلاقة بين البلدين بالثقة المتبادلة، حيث دعمت تركيا باكستان منذ استقلالها عام 1947 سياسيًا ودبلوماسيًا، بما في ذلك مساعدتها على الانضمام للأمم المتحدة وطباعتها عملتها الوطنية، بينما دعمت باكستان تركيا خلال الأزمات السياسية مثل محاولة الانقلاب عام 2016، وهو ما عزز الترابط الاستراتيجي بينهما.

وعلى الصعيد العسكري الحديث، شملت الشراكة تدريبات مشتركة منذ الثمانينات، برامج تبادل التدريب، تزويد باكستان بمسيرات ومروحيات متقدمة، لتصبح تركيا ثالث أكبر مورد أسلحة لباكستان بين 2020 و2024، مع توقيع اتفاقيات ثنائية تشمل الصحة العسكرية والحرب الإلكترونية.

كما امتد التعاون إلى الاقتصاد والطاقة، عبر اتفاق ديسمبر 2025 للتنقيب عن النفط والغاز في خمس حقول باكستانية، مع خطط لتعزيز قطاع التعدين، ما يعكس تحالفًا متعدد الأبعاد يجمع بين السياسة والدفاع والاقتصاد ويعزز النفوذ الاستراتيجي للبلدين.

تحالف متكامل يفتح لأنقرة أبواب النفوذ الإقليمي

وفي هذا السياق، قال الباحث في الشؤون التركية أحمد حسن، في حديثه لـ “داي نيوز” إن التحالف السعودي–الباكستاني يمثل فرصة استراتيجية لأنقرة لتعزيز موقعها في الشرق الأوسط وشرق المتوسط، وتوسيع نفوذها السياسي والعسكري بما يتجاوز التعاون التقليدي مع الناتو.

ويعتبر حسن أن الانضمام إلى هذا التحالف يتيح لتركيا أدوات ضغط إضافية، سواء في إدارة الأزمات الإقليمية أو في التأثير على موازين القوى التقليدية وغير التقليدية.

وأشار حسن إلى أن دوافع تركيا للانضمام إلى التحالف متعددة الأبعاد، إذ يركز البعد الأمني على تعزيز قدراتها في مناطق التوتر الحساسة، بما يشمل سوريا وليبيا، مع إتاحة الفرصة لتنسيق عمليات المراقبة وتبادل المعلومات الاستخباراتية مع الشركاء الإقليميين.

وأضاف أن في الوقت نفسه، يمتد البعد الاقتصادي ليشمل تطوير الصناعات الدفاعية المحلية، بما في ذلك الطائرات المسيرة وأنظمة الدفاع الجوي والمنصات البحرية، وفتح أسواق جديدة لتصدير هذه التكنولوجيا، ما يعزز قدرة أنقرة على تمويل مشاريعها الاستراتيجية وتأمين موقعها كلاعب مؤثر على الساحة الإقليمية والدولية.

ولفت حسن إلى أن تركيا تسعى من خلال هذا الإطار إلى إنشاء شبكة تحالفات ممتدة، قد تشمل في المستقبل دولًا أخرى في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لتعزيز نفوذها كلاعب محوري في صياغة السياسات الأمنية الإقليمية، وتوسيع مجال تأثيرها بعيدًا عن الحدود التقليدية للناتو.

وعن انعكاسات التحالف على الاستقرار الإقليمي، يرى حسن أن تركيا ستستفيد من قدرة الردع المشتركة لتعزيز وزنها في الملفات الإقليمية، لكنها قد تواجه تحديات في حال اعتبرتها بعض القوى تهديدًا لمصالحها، ما يستلزم إدارة دقيقة للملفات الحساسة وتنسيق مستمر مع الحلفاء لتجنب الاحتكاكات المباشرة.

وأكد حسن أن انضمام تركيا للتحالف يجمع بين مزايا ثلاث دول فاعلة، السعودية بالقوة الاقتصادية والنفوذ السياسي والديني، باكستان بالقوة النووية والقدرات العسكرية، وتركيا بخبرتها العسكرية والتكنولوجية، ما يخلق شبكة أمان استراتيجية تمتد من الشرق الأوسط إلى جنوب آسيا وحتى إفريقيا.

وأشار إلى أن هذا التحالف المتكامل ليس مجرد تعاون دفاعي، بل منصة لإعادة صياغة سياسات الردع الإقليمية، مع منح تركيا دورًا قياديًا في إدارة أزمات محتملة وإرسال إشارات سياسية وعسكرية متزامنة في آن واحد.

وأضاف حسن أن التحالف يوفر فرصة لتركيا لتعزيز دورها الدبلوماسي في ملفات حساسة مثل الملف السوري، النزاعات البحرية في شرق المتوسط، والأزمات المرتبطة بالتوازن الإقليمي في شمال إفريقيا. كما أنه يتيح لأنقرة صياغة إستراتيجيات مشتركة مع الشركاء لتجنب التصعيد العسكري المباشر، مع فتح قنوات تواصل مع الدول الكبرى لتقليل المخاطر على مصالحها الإقليمية.

في المجمل، يرى حسن أن التحالف السعودي–الباكستاني مع انضمام تركيا يمثل خطوة نحو بناء كتلة استراتيجية مرنة، قادرة على الجمع بين النفوذ العسكري والسياسي والاقتصادي، مع منح تركيا موقعًا محوريًا في رسم مستقبل الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا.

التحالف شرقًا وتأثيره على جنوب آسيا

وفي السياق ذاته، يرى الباحث في الشؤون الآسيوية، إسلام شحته أن التقارب المتسارع بين تركيا وباكستان يأتي عند تقاطع عدة عمليات إعادة تموضع إقليمي، إذ يعزز هذا المسار العمق الاستراتيجي لإسلام آباد في جنوب ووسط آسيا.

وأضاف شحته لـ”داي نيوز” أنه في الوقت ذاته يمنح أنقرة موطئ قدم متقدم في جنوب آسيا ودورًا إضافيًا في شبكات التواصل المرتبطة بالصين، دون أن يصل إلى حد إزاحة بكين عن موقعها كراعٍ رئيسي لباكستان.

وأوضح شحته أن تركيا تسعى بوضوح إلى توسيع نفوذها شرقًا، مستخدمة باكستان كبوابة إلى جنوب آسيا، ومع تزايد الطموحات التركية، إلى آسيا الوسطى أيضًا، مستندة إلى التعاون الدفاعي، ومبيعات الأسلحة، والتقاطع السياسي في ملفات حساسة مثل قضية كشمير.

في المقابل، قال شحته إن باكستان تستفيد من هذا التقارب عبر الوصول إلى الصناعات الدفاعية التركية، خاصة الطائرات المسيرة والمنصات البحرية وبرامج التدريب، فضلًا عن دعم دبلوماسي متزايد في المحافل الدولية، في وقت تواجه فيه ضغوطًا مزدوجة تتمثل في التوتر المستمر مع الهند والهشاشة الاقتصادية الداخلية.

وأشار الباحث في الشؤون الآسيوية إلى أن البلدين يقدمان هذا التنسيق باعتباره جزءًا من نظام دولي متعدد الأقطاب آخذ في التشكل، وكسردية مضادة للممرات الاقتصادية المرتبطة بالغرب، وعلى رأسها ممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا، الذي قد يتجاوز مصالحهما الاستراتيجية إذا لم يطورا بدائل موازية.

العلاقة مع الصين

وأكد شحته أن الاعتماد البنيوي لباكستان على الصين لا يزال عميقًا ومترسخًا، سواء عبر الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني، أو من خلال التمويل الصيني، أو الاعتماد الواسع على أنظمة الدفاع الصينية، ما يجعل المحور الصيني–الباكستاني حجر الزاوية في الاستراتيجية الكبرى لإسلام آباد.

ومن هذا المنطلق، يرى شحته أن المحور التركي–الباكستاني يُنظر إليه بشكل متزايد بوصفه مكملًا للنفوذ الصيني، مع إمكانية تشكل مثلث أكثر مرونة يضم بكين وأنقرة وإسلام آباد، وهو ما قد يعقد جهود الدول الغربية الرامية إلى احتواء النفوذ الصيني، بدلًا من تقليص انجذاب باكستان إليه.

وأضاف شحته أن المشاريع الاقتصادية والربطية بين تركيا وباكستان غالبًا ما تُقدم كمسارات بديلة، لكنها تظل متسقة مع منطق مبادرة “الحزام والطريق” أو متصلة بها، ما يعزز فكرة تقسيم الأدوار بين شركاء ذوي مصالح متداخلة بدلًا من التنافس المباشر.

تداعيات التقارب على الردع في جنوب آسيا

وأشار شحته إلى أن العلاقات الدفاعية الرسمية بين باكستان والسعودية، بالتوازي مع تعميق التعاون الأمني مع تركيا، تعزز شعور إسلام آباد بالعمق الاستراتيجي، وقد تدفعها إلى تبني مواقف تفاوضية أكثر صلابة في الأزمات مع الهند، حتى وإن لم يغير ذلك التوازن النووي الأساسي في المنطقة.

كما لفت شحته إلى أن حصول باكستان على تقنيات دفاعية تركية متطورة، خاصة في مجالات الطائرات المسيرة والذخائر الدقيقة والأصول البحرية، قد يؤدي تدريجيًا إلى تحسين قدراتها التقليدية وتوسيع خيارات إدارة الأزمات دون الاقتراب من العتبة النووية.

ومن الناحية الرمزية، يرى شحته أن تصور باكستان باعتبارها مدعومة بكتلة أمنية سنية أوسع ذات نفوذ مالي وسياسي يعزز من إشارات الردع لديها، رغم بقاء مسألة التحكم والسيطرة على الأسلحة النووية شأنًا وطنيًا خالصًا.

رد الفعل الهندي وتداعياته

وبحسب شحته، تنظر الهند إلى التقارب بين أنقرة وإسلام آباد باعتباره مسارًا عدائيًا، لا سيما في ظل المواقف التركية الداعمة لباكستان في ملف كشمير وعمليات نقل السلاح، وهو ما يدفع نيودلهي إلى تصنيف تركيا تدريجيًا كخصم استراتيجي ضمن محيطها الإقليمي الأوسع.

وقال شحته إن الرد الهندي يتمثل في تعميق الشراكات الموازنة للصين وباكستان، وعلى رأسها الولايات المتحدة، ومجموعة “كواد”، والصيغ المصغرة المرتبطة باستراتيجية المحيطين الهندي والهادئ، إلى جانب محاولات للحد من النفوذ التركي عبر أدوات دبلوماسية وضغوط اقتصادية انتقائية.

ويخلص الباحث في الشؤون الآسيوية إلى أنه في حال تبلور كتلة تركية-باكستانية-سعودية متماسكة، فمن المرجح أن تعزز الهند تعاونها الأمني والتكنولوجي مع الولايات المتحدة واليابان والشركاء الأوروبيين، مستفيدة من ثقلها السوقي ودورها المحوري في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حتى مع استمرار محاولات واشنطن إجراء إعادة انخراط محدودة مع باكستان ضمن مقاربة إدارة ترامب المتغيرة تجاه جنوب آسيا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى