تقارير

تطورات متسارعة في مقترح ترامب لضم كندا كولاية 51

يستمر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إثارة الجدل بشأن اقتراحاته المتكررة حول إمكانية ضم كندا إلى الولايات المتحدة لتصبح “الولاية الحادية والخمسين”، الفكرة التي بدأت  أقرب إلى مزاح سياسي تحولت تدريجيًا إلى مصدر توتر حقيقي في العلاقات بين البلدين، خاصة مع تصاعد الخلافات الاقتصادية والتجارية.

ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه العلاقات بين واشنطن وأوتاوا حالة من الشد والجذب، ما يضع هذه التصريحات في سياق أوسع من الضغوط السياسية والاقتصادية المتبادلة.

منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025 بعد فوزه في انتخابات 2024، أصبحت هذه التصريحات جزءًا من خطابه السياسي، مترافقة مع تهديدات بفرض تعريفات جمركية قاسية على الواردات الكندية، ومع ذلك لا توجد مؤشرات فعلية على خطط عسكرية لغزو أو احتلال كندا، ما يرجح أن الأمر يندرج ضمن استراتيجية تفاوضية تهدف إلى انتزاع تنازلات اقتصادية.

اقرأ أيضاً:ترامب يطالب بالتحقيق مع النائبة إلهان عمر بسبب ثروتها المالية

كيف بدأت فكرة ضم كندا للولايات المتحدة الأمريكية ؟

فكرة ضم كندا ليست جديدة في التاريخ الأمريكي، ففي القرن الثامن عشر والتاسع عشر، ظهرت محاولات عسكرية ودبلوماسية لضم الأراضي الكندية. حاولت القوات الأمريكية غزو كندا خلال الثورة الأمريكية عام 1775، ثم مجددًا خلال حرب 1812، لكن المحاولتين فشلتا بسبب المقاومة المحلية والدعم البريطاني.

كما ظهرت لاحقًا أفكار تدعو إلى الضم السلمي عبر النفوذ الاقتصادي والسياسي، هذه الخلفية التاريخية تعكس نظرة أميركية قديمة إلى كندا بوصفها دولة غنية بالموارد الطبيعية، من النفط إلى المعادن النادرة، وهي عناصر تزداد أهميتها في الصراعات الاقتصادية المعاصرة.

خلال ولايته الأولى (2017–2021)، طرح ترامب الفكرة بشكل ساخر أثناء خلافات حول اتفاقية التجارة الحرة في أمريكا الشمالية. آنذاك،و اعتبرت تعليقاته مجرد استفزاز سياسي، لكنها مهدت لخطاب أكثر صراحة في ولايته الثانية.

تصريحات بدأت كدعابة وانتهت كورقة ضغط اقتصادي على كندا

مع اقتراب تنصيبه مجددًا، بدأ ترامب يربط بشكل مباشر بين العلاقات التجارية وفكرة الضم ففي لقاءات خاصة وتصريحات علنية أواخر عام2024 ومطلع 2025، لوح بفرض تعريفات جمركية قد تصل إلى 25% على السلع الكندية، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة “تتحمل عبئًا اقتصاديًا كبيرًا” في دعم كندا.

وتطورت التصريحات إلى حد الإيحاء بأن انضمام كندا كولاية أمريكية قد يكون “حلًا اقتصاديًا أفضل للطرفين”، بل وذهب إلى اقتراح أدوار رمزية لمسؤولين كنديين داخل هذا السيناريو الافتراضي.

هذا الخطاب تزامن مع مواقف مشابهة تجاه مناطق أخرى مثل جرينلاند، ما عزز الانطباع بأن الإدارة الأمريكية تتبنى نهجًا توسعيًا اقتصاديًا قائمًا على النفوذ والموارد، وليس على التحرك العسكري المباشر.

كندا تواجه تصريحات ترامب بقلق متصاعد ورفض سياسي واضح

في كندا لم تُستقبل هذه التصريحات على أنها مزاح و أظهرت استطلاعات رأي أن شريحة واسعة من الكنديين تنظر بجدية إلى تهديدات ترامب الاقتصادية، وتخشى أن تتحول الضغوط التجارية إلى وسيلة لفرض تبعية سياسية أو اقتصادية.

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني حذر من خطورة هذا الخطاب، معتبرًا أنه يستهدف الموارد الاستراتيجية الكندية، خاصة المعادن الحيوية الضرورية للصناعات التكنولوجية والطاقة النظيفة، وأكدت الحكومة الكندية في عدة مناسبات تمسكها بالسيادة الوطنية ورفضها القاطع لأي طرح يمس استقلال البلاد.

كما تشير عده تقارير إلى أن هناك مؤسسات دفاعية كندية تدرس سيناريوهات افتراضية لأزمات مع الولايات المتحدة، في إطار التخطيط الاستراتيجي، دون وجود مؤشرات على توقع صراع عسكري وشيك.

انقسام داخل الولايات المتحدة وقلق دولي

في الولايات المتحدة لا تحظى فكرة ضم كندا بتأييد واسع، إذ يرى كثير من الأمريكيين أنها طرح غير واقعي وقد يجر البلاد إلى أزمات دبلوماسية واقتصادية مع أقرب حلفائها.

أما على المستوى الدولي، فقد أثارت التصريحات قلقًا من أن تعكس تحولًا أوسع في السياسة الأمريكية نحو استخدام القوة الاقتصادية والضغوط السياسية لإعادة رسم موازين النفوذ، وهو ما تعتبره بعض مراكز الأبحاث تهديدًا للاستقرار الدولي والنظام القائم على احترام سيادة الدول.

يرجح محللون أن حديث ترامب عن ضم كندا لا يمثل خطة فعلية للتوسع الجغرافي، بل أداة ضغط تفاوضية ضمن معركة أوسع حول التجارة وسلاسل الإمداد والموارد الطبيعية ،فالتلويح بخيارات قصوى قد يكون وسيلة لدفع أوتاوا إلى تقديم تنازلات في ملفات اقتصادية حساسة.

حيث يرى الدكتور راشد صلاح أبورميه، المحلل السياسي، في تصريحات خاصة لـ”داي نيوز”، أن حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن ضم كندا لا يعكس نية فعلية للتوسع الجغرافي، بقدر ما يمثل أداة ضغط سياسي واقتصادي. وأوضح أن هذا الخطاب يخدم بالأساس أهدافًا تفاوضية ترتبط بملفات التجارة وسلاسل الإمداد والموارد الحيوية.

وأضاف  أن استخدام أفكار قصوى مثل اعتبار كندا “الولاية الحادية والخمسين” يمنح واشنطن ورقة ضغط نفسية وسياسية، حتى وإن كانت غير قابلة للتطبيق عمليًا. وأشار إلى أن هذا الأسلوب يتماشى مع نهج ترامب المعروف برفع سقف المطالب إلى أقصى حد قبل الدخول في مفاوضات فعلية.

وأشار إلى أن هذا التكتيك، رغم فاعليته التفاوضية، لا يخلو من كلفة سياسية، إذ يضع العلاقات الأمريكية الكندية تحت ضغط غير مسبوق، ويهز مستوى الثقة بين بلدين يرتبطان بشراكة اقتصادية وجغرافية عميقة.

ولفت إلى أن تكرار هذه التصريحات قد يترك أثرًا داخليًا في كندا، من خلال تعزيز النزعات القومية وتصاعد الدعوات إلى تقليل الاعتماد الاقتصادي على الولايات المتحدة، وهو ما قد يترجم تدريجيًا إلى سياسات تجارية بديلة.

وفي السياق ذاته فقد اعتبر الدكتور إيفان أوس المحلل السياسي ، أن طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لفكرة ضم كندا يندرج في إطار الضغط السياسي والاقتصادي أكثر من كونه توجهاً واقعياً قابلاً للتنفيذ. وأوضح أن التصريحات تأتي ضمن أسلوب تفاوضي يعتمد على رفع سقف المطالب لتحقيق مكاسب في ملفات التجارة والموارد.

وأشار  إلى أن تكرار هذا الخطاب، حتى لو كان تكتيكياً، يترك آثاراً سلبية على مستوى الثقة بين واشنطن وأوتاوا، وقد يدفع كندا تدريجياً إلى تقليل اعتمادها الاقتصادي على الولايات المتحدة وتنويع شراكاتها الدولية.

وأضاف أن خطورة هذه التصريحات لا تكمن في احتمال تنفيذها، بل في تأثيرها السياسي طويل المدى، والذي قد يعيد تشكيل طبيعة العلاقة بين البلدين من شراكة مستقرة إلى علاقة يشوبها الحذر والتوتر الاستراتيجي.

و يبقى اقتراح ضم كندا، حتى الآن، في إطار الخطاب السياسي الاستفزازي أكثر من كونه مشروعًا قابلًا للتنفيذ ،لكنه في الوقت ذاته يكشف عن مرحلة جديدة من التوتر في العلاقات الأميركية الكندية، عنوانها استخدام الاقتصاد كسلاح ضغط سياسي.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى