أرضٌ واحدة وحكايات لا تُنسى.. قراءة متجددة في رواية «أرض الله»

صدر حديثًا عن المركز القومي للترجمة الترجمة العربية الكاملة لرواية «خدا كى بستى» للكاتب الباكستاني شوكت صديقي، بترجمة الدكتور محمد محمدي توفيق، المدرس بكلية اللغات والترجمة والمشرف على وحدة الرصد باللغة الأردية بمرصد الأزهر لمكافحة التطرف. ويُعد هذا العمل من أبرز الروايات التي تناولت قضية العدالة الاجتماعية بجرأة إنسانية ووعي نقدي عميق.
الرواية، التي صدرت أصلًا بالأردية بعنوان «خدا كى بستى»، تجاوزت حدود لغتها الأم، إذ تُرجمت إلى أربعٍ وعشرين لغة حول العالم، في دلالة واضحة على عالميتها وقدرتها على ملامسة الوجدان الإنساني بمختلف ثقافاته. ومن أبرز مؤشرات أهميتها أن اليونسكو أشرفت على ترجمتها إلى اللغة الإنجليزية، وهو إشراف لا يُمنح إلا للأعمال ذات القيمة الإنسانية والثقافية العابرة للحدود.
أما الترجمة العربية، التي حملت عنوان «أرض الله»، فجاءت لتسد فراغًا في المكتبة العربية، بوصفها أول ترجمة عربية كاملة للرواية، وصدرت برعاية المركز القومي للترجمة، في خطوة تعكس إدراكًا مؤسسيًا لأهمية مدّ جسور التواصل بين الأدبين الأردي والعربي. ولا يُعد نشر الرواية ضمن إصدارات المركز مجرد إضافة كتاب جديد، بل هو تأكيد على مكانة هذا العمل في تاريخ السرد الحديث، واعتراف بقيمته الفنية والاجتماعية.

تدور أحداث الرواية حول أسرة من الطبقة الوسطى تفقد عائلها، فتتحمل الأم مسؤولية إعالة ولدين وفتاة في سن النضوج. تساعدها الابنة في حياكة الملابس وصنع لفائف التبغ لأحد المصانع الصغيرة، بينما يعمل الابن المراهق في ورشة لتصليح السيارات. ومن خلال تفاصيل الحياة اليومية لتلك الأسرة وأصدقائهم، يرسم الكاتب صورة واقعية لحياة تُدار على حافة العوز، وتُختبر فيها الإرادة الإنسانية في مواجهة الفقر والتهميش.
يقدّم شوكت صديقي بانوراما اجتماعية واسعة من خلال شخصيات تمثل صراعًا طبقيًا واضح المعالم بين ثلاث فئات: المهمشون الذين يكافحون للتكيف مع واقع مفروض عليهم، والانتهازيون الذين يستغلون هشاشتهم لجني الأرباح، والسياسيون الأثرياء الفاسدون الذين يشترون أصوات الناخبين بمختلف الوسائل. وبهذا تتحول الحكاية الفردية إلى مشهد اجتماعي كاشف يعرّي البنية العميقة للاختلالات الاقتصادية والسياسية.
وقد شكّل هذا العمل محطة مفصلية في مسيرة مؤلفه، إذ نال عنه جائزة Adamjee Literary Award، إحدى أرفع الجوائز الأدبية في باكستان، ما رسّخ مكانته في المشهد الأدبي هناك.
كما تناقش الرواية ظاهرة العشوائيات وما يرتبط بها من تداعيات اجتماعية خطيرة، إذ لم تعد هذه المناطق مجرد فضاءات سكنية هامشية، بل تحولت إلى قضية مركزية تشغل صانعي القرار وعلماء الاجتماع والسياسة، خاصة في ظل الربط بين التهميش المزمن وبروز أنماط متعددة من العنف والتطرف.
بهذا الإصدار العربي، تستعيد «أرض الله» راهنيتها، مؤكدة أن سؤال العدالة الاجتماعية لا يزال مفتوحًا، وأن الأدب، حين يلامس نبض الإنسان، يظل قادرًا على عبور الحدود واللغات، ليحكي قصة أرض واحدة تتعدد فيها الحكايات، لكن يبقى فيها الألم والأمل وجهين لواقع إنساني مشترك.



