استطلاع أوروبي: ترامب يقلب المعادلة ويحوّل واشنطن من حليف إلى خصم

في مؤشر لافت على تراجع الثقة بين ضفتي الأطلسي، كشف استطلاع رأي أوروبي واسع أن غالبية الأوروبيين باتوا ينظرون إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باعتباره خصمًا مباشرًا لأوروبا، وليس مجرد شريك صعب أو حليف مثير للجدل.
النتائج، التي ظهرت بعد عام واحد فقط من عودة ترامب إلى البيت الأبيض، تعكس تحولًا جذريًا في المزاج الأوروبي تجاه الولايات المتحدة، وتسلط الضوء على أزمة عميقة تضرب أسس التحالف الغربي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية.
من التوجس إلى القطيعة السياسية
الاستطلاع، الذي أجرته مؤسسة «كلاستر 17» لصالح مجلة «لو جراند كونتينون» وشمل سبع دول أوروبية، أظهر أن 51% من المشاركين في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا وبولندا والدنمارك وبلجيكا يعتبرون ترامب «عدوًا لأوروبا».
في المقابل، لم تتجاوز نسبة من يرونه «صديقًا» 8%، بينما وضع 39% أنفسهم في خانة الحياد، وهو ما يعكس انتقال الرأي العام الأوروبي من الحذر إلى العداء الصريح خلال فترة قصيرة.
وتفاوتت المواقف بين الدول، حيث سجلت بولندا أعلى نسبة تأييد نسبي لترامب (17%)، في حين جاءت إسبانيا في صدارة الدول التي تعتبره خصمًا بنسبة 58%، ما يعكس اختلاف الحسابات السياسية والاستراتيجية داخل القارة.
اتهامات بتقويض الديمقراطية
لم تتوقف النظرة السلبية عند حدود السياسة الخارجية، إذ أظهر الاستطلاع أن 88% من الأوروبيين يرون أن ترامب لا يحترم القيم الديمقراطية.
وانقسم هؤلاء بالتساوي تقريبًا بين من يعتبره صاحب نزعة استبدادية، ومن يذهب إلى حد وصفه بأنه يتصرف كديكتاتور، وهو تقييم يعكس قلقًا واسعًا من طبيعة القيادة الأمريكية الحالية ودورها العالمي.
جرينلاند تشعل الغضب الأوروبي
مثلت تصريحات ترامب بشأن جزيرة جرينلاند نقطة تحول مفصلية في العلاقة مع أوروبا. فقد اعتبر 84% من المشاركين أن هذه التصريحات «خطيرة»، فيما وصفها 63% بأنها «خطيرة جدًا».
ورغم استبعاد ترامب استخدام القوة للسيطرة على الجزيرة، أكد 81% من المستطلعين أنهم سيعدّون أي تدخل عسكري أمريكي في جرينلاند عملًا حربيًا، وأبدى 63% استعدادهم لدعم نشر قوات أوروبية للدفاع عن سيادة الجزيرة، مع تسجيل فرنسا نسبة تأييد بلغت 61%.
رفض للنهج الأحادي في فنزويلا
الانتقادات الأوروبية امتدت أيضًا إلى طريقة تعامل واشنطن مع فنزويلا، إذ أدان 63% من المشاركين عملية القبض على الرئيس نيكولاس مادورو، واعتبروها انتهاكًا لسيادة الدول وللقانون الدولي، في مؤشر على رفض أوروبي متزايد للسياسات الأمريكية الأحادية.
أوروبا منقسمة… لكن الاتجاه واضح
أظهر الاستطلاع انقسامًا داخل أوروبا حول كيفية التعامل مع إدارة ترامب، حيث دعا 46% إلى معارضة سياساته بشكل مباشر، بينما فضّل 44% خيار التفاوض والتسوية، في حين لم يؤيد الانحياز الكامل لواشنطن سوى 10%.
في فرنسا، كان الموقف أكثر حدة، إذ اختار 52% من المشاركين خيار المواجهة، مقابل 43% للتسوية، و5% فقط للمواءمة مع الولايات المتحدة.
نحو استقلال استراتيجي أوروبي
النتيجة الأبرز في الاستطلاع تمثلت في اعتقاد 73% من الأوروبيين بأن على أوروبا الاعتماد على نفسها دفاعيًا دون الرهان على الدعم الأمريكي، مقابل 22% فقط يرون أن الولايات المتحدة لا تزال شريكًا يمكن الاعتماد عليه.
هذا التحول يعكس بداية قطيعة تاريخية مع المظلة الأمنية الأمريكية، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية.
ترامب أخطر من شي جين؟
في مفارقة لافتة، اعتبر الأوروبيون أن ترامب يمثل تهديدًا أكبر من الرئيس الصيني شي جين بينج. وعلى مقياس من 1 إلى 10، حصل ترامب على 5.4 نقاط، مقابل 4.3 لشي، فيما تصدّر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قائمة التهديدات بـ6.9 نقاط.
كما أعرب 21% من الأوروبيين عن خشيتهم من اندلاع حرب مفتوحة مع الولايات المتحدة، وهي نسبة تفوق مخاوفهم من حرب مع إيران أو الصين، لكنها تبقى أقل من مخاوف المواجهة مع روسيا أو التنظيمات الإرهابية.
الغرب على المحك
في ظل هذا المشهد، فضّل 52% من الأوروبيين الحفاظ على مسافة متساوية من الولايات المتحدة والصين، بينما أيد 18% التحالف مع واشنطن ضد بكين.
غير أن المؤشر الأكثر إدانة لسياسات ترامب جاء في تقييم تأثيره على المعسكر الغربي، إذ رأى 59% من الأوروبيين أنه يضعف الغرب، مقابل 23% فقط اعتبروا أن سياساته لا تترك أثرًا يُذكر.


