تقارير

شمال سوريا على صفيح ساخن: إعادة رسم النفوذ بين دمشق وقسد

شهدت مناطق شمال سوريا خلال الأيام الأخيرة تغيرات ميدانية كبيرة أعادت رسم خريطة السيطرة العسكرية، بعدما تمكنت القوات الحكومية السورية من بسط نفوذها على مساحات واسعة كانت خاضعة لسيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، في تطور يُعد من الأبرز منذ سنوات.

تقدم ميداني واسع في حوض الفرات وريف حلب

جاءت هذه التحولات نتيجة انسحاب وحدات “قسد” من الضفة الغربية لنهر الفرات، ما أتاح للقوات الحكومية التقدم وتثبيت مواقعها في مناطق استراتيجية.

وشمل هذا التوسع مدينتي دير حافر ومسكنة في ريف حلب الشرقي، إضافة إلى فتح طريق مباشر يربط هذه المناطق بريف الرقة الغربي، الأمر الذي عزز خطوط الإمداد والسيطرة العسكرية.

كما انتقلت السيطرة الكاملة على مدينة الطبقة وسد الفرات ومطار الطبقة العسكري وسد المنصورة إلى الحكومة السورية، وهو ما يمثل تحولًا بالغ الأهمية نظرًا لما تمثله هذه المواقع من ثقل استراتيجي في مجالي الطاقة والمياه. وبحسب المعطيات الميدانية، دخل الجيش السوري أكثر من 34 بلدة وقرية عقب انسحاب “قسد” إلى الضفة الشرقية للنهر.

تغيرات أمنية وإدارية في مدينة حلب

في مدينة حلب، شهدت أحياء الشيخ مقصود والأشرفية تحولات ملحوظة، حيث انسحبت وحدات “قسد” من هذه المناطق، وحلت محلها المؤسسات الأمنية والخدمية التابعة للحكومة السورية.

كما تسلم الجيش مطار الجراح العسكري في الريف الشرقي لحلب، ما عزز من وجوده العسكري في محيط المدينة.

تصعيد في شرق الفرات ودور العشائر

في المقابل، تشهد مناطق شرق نهر الفرات، لا سيما في محافظتي دير الزور والحسكة، تصعيدًا عسكريًا متزايدًا، تزامن مع تحركات عشائرية محلية طالبت بخروج “قسد” من مناطقها. وأسهم هذا الحراك في تسهيل تقدم القوات الحكومية نحو الضفة الشرقية للنهر.

ورُصدت اشتباكات عنيفة في محيط حقول العمر وكونيكو والجفرة، إلى جانب تغيّر السيطرة في بلدات مثل البصيرة وذيبان والشحيل وجرانيج. وفي محاولة لعرقلة التقدم الحكومي، أقدمت وحدات “قسد” على تفجير عدد من الجسور التي تربط ضفتي نهر الفرات.

السيطرة على حقول النفط والغاز

حقق الجيش السوري تقدمًا نوعيًا بسيطرته على حقل العمر النفطي، وهو الأكبر في سوريا، إضافة إلى حقل كونيكو للغاز في ريف دير الزور. ويُعد هذا التطور ضربة قوية لـ“قسد”، التي كانت تعتمد على هذه الموارد كمصدر رئيسي للدخل.

ووفق تقارير محلية، ساهم مقاتلو العشائر العربية في تمكين القوات الحكومية وحلفائها من السيطرة على مساحات تتجاوز 150 كيلومترًا على طول الضفة الشرقية للفرات، بدءًا من الباغوز قرب الحدود العراقية وصولًا إلى بلدات رئيسية في الداخل السوري.

مناطق الاشتباك الحالية

تتركز المواجهات الميدانية في عدة نقاط رئيسية، أبرزها:

ريف دير الزور الشرقي: الكشكية، أبو حمام، الطيانية

ريف الرقة: كسرة الفرج ومحيط الجسور المدمرة

البادية السورية: محيط حقل الثورة النفطي جنوب الطبقة

مواقف إقليمية ودولية متباينة

إقليميًا، تتابع تركيا التطورات عن كثب، خاصة في مناطق عمليتي درع الفرات وغصن الزيتون، مع تركيز خاص على محوري منبج وتل رفعت، لتقييم تأثير التوسع الحكومي على أمنها القومي.

وأكدت أنقرة تفضيلها للحلول السلمية، مع الإشارة إلى أن الخيارات العسكرية تبقى مطروحة في حال فشل المسار السياسي.

أما الولايات المتحدة، الداعم الرئيسي لـ“قسد”، فقد أعربت عن قلقها من التقدم الحكومي في مناطق النفوذ الكردي، محذرة من أن أي عملية عسكرية واسعة قد تؤدي إلى تصعيد أكبر وزيادة الانقسام بين الأطراف المدعومة من واشنطن. كما لوحت بإمكانية إعادة فرض عقوبات قانون قيصر على دمشق إذا استمرت العمليات العسكرية بوتيرة أوسع.

ميزان قوى جديد شمال سوريا

تعكس هذه التطورات تحولًا جوهريًا في ميزان القوى شمال سوريا، مع انتقال مركز النفوذ من “قسد” إلى الحكومة السورية، وسيطرة دمشق على موارد استراتيجية تشمل النفط والمياه، إضافة إلى استعادة مواقع حيوية في مدينة حلب ومحيطها.

ومع استمرار التحركات العسكرية في شرق الفرات، والتداخل الإقليمي والدولي في المشهد السوري، يبقى الوضع مفتوحًا على مزيد من التصعيد أو التفاهمات السياسية، وسط ترقب واسع لتداعيات هذه التحولات على مستقبل الأزمة السورية والاستقرار الإقليمي.

Mariam Hassan

مريم حسن كاتبة وصحفية متخصصة في الشأن الهندي ـ الباكستاني و جنوب شرق آسيا خبرة سنتين في مجال العمل الصحفي والإعلامي. أماكن العمل : داي نيوز الإخباري. أعمل على ترجمة وتحرير الأخبار والتقارير الصحفية المتنوعة. تحليل و دراسة التحولات السياسية والتهديدات الأمنية في آسيا وانعكاساتها على الأمن القومي المصري والعربي. متابعة التطورات الاقتصادية والتكنولوجية، وتحليل سياسات القوى الإقليمية وأنماط التحالفات بين جنوب آسيا والشرق الأوسط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى