تجارة اليورانيوم بين فرنسا وروسيا تثير الجدل الأوروبي رغم العقوبات

لا تزال تجارة اليورانيوم بين فرنسا وروسيا واحدة من أكثر الملفات حساسية في أوروبا، خصوصًا بعد مرور أكثر من أربع سنوات على اندلاع الحرب في أوكرانيا.
فبينما فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات واسعة على النفط والفحم والغاز الروسي، بقيت واردات اليورانيوم خارج نطاق الحظر، ما أثار تساؤلات سياسية وأخلاقية واسعة حول اعتماد أوروبا على روسيا في قطاع الطاقة النووية.
الاستثناء النووي الأوروبي
وفق صحيفة لوموند الفرنسية، منذ فبراير 2022 فرض الاتحاد الأوروبي 19 حزمة عقوبات على قطاع الطاقة الروسي، لكن الطاقة النووية بقيت استثناءً واضحًا.
وبالرغم من الخطاب الفرنسي الداعم لاستقلال الطاقة، ما زالت باريس ترتبط بموسكو عبر سلاسل إمداد الوقود النووي، ما يجعل تجارة اليورانيوم محور جدل واسع حول الأمن والاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية.
مسارات التوريد الخفية
رصدت منظمة جرينبيس وصول شحنات اليورانيوم من موانئ روسية مثل سانت بطرسبرج وأوست-لوجا إلى ميناء دونكيرك الفرنسي بشكل منتظم.رغم أن فرنسا لا تستورد اليورانيوم الطبيعي مباشرة من روسيا، فإن سلاسل التوريد غير المباشرة تجعل روسيا لاعبًا رئيسًا في القطاع.
ويشير التقرير إلى أن نحو نصف واردات فرنسا من اليورانيوم الطبيعي بين عامي 2022 و2025 جاءت من كازاخستان وأوزبكستان، حيث تسيطر شركة روساتوم الروسية على قطاع التعدين في المنطقة عبر شركتها التابعة “يورانيوم وان”، في حين تعمل شركة أورانو الفرنسية على إنتاج اليورانيوم الموجه أساسًا للسوق الصينية.
التخصيب والصناعة النووية الفرنسية
بعد استخراج اليورانيوم الطبيعي، يجب تحويله وتخصيبه لاستخدامه في المفاعلات النووية. وتمتلك فرنسا منشآت التخصيب الخاصة بها عبر شركة أورانو، بما في ذلك مشروع توسيع محطة “جورج بيس 2” في تريكاستين.
ومع ذلك، لا تزال فرنسا تعتمد جزئيًا على خبرة روساتوم في التخصيب، حيث تراجعت حصة اليورانيوم المخصب الروسي من 67% عام 2022 إلى 24% عام 2024، لكنها لم تختفِ تمامًا، مع تسجيل شحنات جديدة خلال 2025.
الصادرات المثيرة للجدل
في نوفمبر 2025، استأنفت فرنسا تصدير اليورانيوم المعاد معالجته إلى روسيا، رغم أن هذا النوع من الوقود لا يمكن إعادة تدويره إلا في مصنع واحد عالميًا في سيفيرسك بسيبيريا. ورغم طلب الحكومة الفرنسية في 2022 تعليق هذه الصادرات، لم تصدر توضيحات رسمية عن استئنافها.
الأبعاد السياسية والأخلاقية
توضح مديرة حملات جرينبيس، بولين بوييه، أن استمرار روساتوم في تجارة اليورانيوم رغم العقوبات يعكس اعتمادًا أوروبيًا يصعب تجاوزه.
وأضافت أن استمرار التجارة يضعف مصداقية الخطاب الأوروبي حول الضغط على موسكو، خاصة أن روساتوم تدير محطة زابوريزهيا النووية في أوكرانيا، حيث وثّقت منظمات حقوقية انتهاكات بحق الموظفين.
الأرقام والواقع الأوروبي
وفق معهد بروجيل، تجاوزت قيمة واردات الاتحاد الأوروبي من اليورانيوم الروسي 700 مليون يورو عام 2024، ضمن إجمالي واردات طاقة روسية بلغت 22 مليار يورو.
وفي المقابل، أكدت المفوضية الأوروبية أن هدفها هو استبدال الوقود الروسي بوقود أوروبي قدر الإمكان، دون جدول زمني واضح لتحقيق ذلك.
موقف فرنسي حذر
في 26 يناير 2026، أقر الاتحاد الأوروبي حظرًا دائمًا لواردات الغاز الروسي حتى نهاية 2027، مع إبقاء فرنسا استثناءً للقطاع النووي باعتباره حساسًا ومهمًا لأمن الطاقة الوطني.
وأكدت الحكومة الفرنسية أنها تعمل على تقليل الاعتماد على روسيا في جميع المجالات، بما في ذلك الطاقة النووية، وتسعى لتعزيز القدرات الصناعية السيادية في تحويل وتخصيب اليورانيوم.
تظل تجارة اليورانيوم بين فرنسا وروسيا مثالًا صارخًا على التناقض بين الطموحات السياسية الأوروبية والقيود التقنية الواقعية، ومن المتوقع أن يبقى هذا الملف محل جدل سياسي وأخلاقي وأمني في السنوات المقبلة.



