حين يتحول الناتو إلى ورقة تفاوض: كيف يربك ترامب أمن أوروبا؟

كتبت: هدير البحيري
تجاوزت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول احتمال انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي (الناتو) وضم إقليم جرينلاند كونها مجرد كلام سياسي، لتصبح اختبارًا حقيقيًا لقدرة الحلف على مواجهة ضغوط القوى الكبرى.
فوجود واشنطن في الناتو ليس دعمًا رمزيًا فقط، بل يمثل ركيزة أساسية لاستقرار التحالف، سواء عسكريًا من خلال القيادة والتنسيق ونشر المنظومات الدفاعية، أو دبلوماسيًا واقتصاديًا عبر توحيد الأعضاء حول أولويات استراتيجية مشتركة. ومن ثم، فإن أي تراجع للدور الأمريكي قد يترك فراغًا استراتيجيًا كبيرًا، يفرض على أوروبا إعادة التفكير في موازين القوة وقدراتها الدفاعية الذاتية.
ردود الفعل الأوروبية عكست تحركًا متسارعًا نحو الاستقلال الاستراتيجي. فقد أعادت ألمانيا تقييم قدرتها على حماية مصالحها في مناطق حساسة مثل جرينلاند، بينما شدد مسؤولون فرنسيون على ضرورة تطوير قدرات دفاعية أوروبية مستقلة بعيدًا عن الاعتماد التقليدي على واشنطن.
وفي المقابل، يبرز التزام الدنمارك وجرينلاند بسيادتهما تحديًا آخر، يتعلق بموازنة مصالح الحلف مع مصالح الولايات المتحدة.
وفي ظل هذه التحولات، تواجه أوروبا خيارًا استراتيجيًا مزدوجًا: إما الحفاظ على الاعتماد على الولايات المتحدة كدعامة للناتو، أو تعزيز قدراتها الذاتية لسد الفجوة الدفاعية المحتملة.
تداعيات الانسحاب الأمريكي
لن يكون انسحاب الولايات المتحدة من الناتو مجرد قرار سياسي، بل خطوة قد تهز الأمن والاستقرار الاستراتيجي في أوروبا والعالم. فالوجود الأمريكي داخل الناتو يشكل العمود الفقري للتنسيق الدفاعي والردع الجماعي، وغيابه سيؤثر مباشرة على قدرة التحالف على مواجهة أي تهديد محتمل، سواء من روسيا أو الصين، خصوصًا في مناطق حساسة مثل القطب الشمالي وجرينلاند.
كما أن عمليات الاستطلاع والمراقبة والتخطيط العسكري ستتأثر، ما يزيد المخاطر على دول أوروبا الشرقية ودول البلطيق، التي تعتمد على الوجود الأمريكي لضمان أمنها.
على الصعيد الدبلوماسي، سيخلق الانسحاب أزمة ثقة بين الدول الأعضاء ويضعف مكانة الناتو كمنصة لتوحيد الغرب في مواجهة التحديات العالمية. وهذا الواقع قد يدفع القارة الأوروبية نحو التفكير في استقلال استراتيجي أكبر، سواء عبر تعزيز التعاون العسكري بين الدول الكبرى أو حتى دراسة إمكانية إنشاء جيش أوروبي موحد، في محاولة لتعويض الفراغ الأمريكي.
أما من الناحية الاقتصادية والاستراتيجية، فالتداعيات لن تقتصر على الجوانب العسكرية والدبلوماسية فحسب، بل ستمس الصناعات الدفاعية الأوروبية وقدرتها على حماية الموارد الحيوية مثل المعادن النادرة والنفط والغاز في القطب الشمالي.
وفي الوقت نفسه، سيتيح الفراغ الأمريكي فرصة لروسيا والصين لتعزيز نفوذهما في المنطقة، ما يزيد التنافس الجيوسياسي ويجعل أوروبا أمام تحديات متعددة الأبعاد على المستويات العسكرية والسياسية والاقتصادية.
وقال الباحث في العلوم السياسية، عمر أبو النجا، في حديث خاص لـ”داي نيوز” إن احتمالات انسحاب الولايات المتحدة من حلف الناتو على المدى القريب تبقى ضئيلة، رغم الخطاب الانتقادي الذي تبناه ترامب تجاه الالتزامات الأمريكية في أوروبا.
وأوضح أبو النجا أن أي إدارة أمريكية قد تسعى إلى إعادة توجيه الإنفاق العسكري نحو الداخل وتقليص الالتزامات الخارجية، لكن المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة، بما في ذلك حماية الحلفاء الأوروبيين من التهديد الروسي، تشكل عاملًا قويًا يمنع الانسحاب الكامل.
وأضاف أبو النجا أن التزامات واشنطن الدولية طويلة الأمد، وصورتها كقوة عالمية موثوقة، ستظل رادعًا أساسيًا لأي خطوة مفاجئة نحو الانسحاب.
وأكد أبو النجا أن أي انسحاب أمريكي، حتى الجزئي، سيشكل صدمة كبيرة لتماسك الحلف، إذ تعتمد أوروبا بشكل رئيسي على القيادة العسكرية الأمريكية، خاصة في مجالات القوة الجوية والبحرية والاستخبارات.
وقال إن استقرار أوروبا قد يتعرض لضغوط متزايدة، خصوصًا في مواجهة التهديد الروسي في شرق القارة، ما قد يدفع بعض الدول إلى سباق تسلح داخلي أو إعادة ترتيب أولوياتها الدفاعية.
وأشار أبو النجا إلى أن غياب أمريكا عن الحلف سيترك فجوات واضحة في القدرات العسكرية الأوروبية، تشمل القدرة على الرد السريع، والدعم الاستخباراتي المتقدم، والقدرات النووية التكتيكية.
وحول تصريحات ترامب المثيرة للجدل بشأن جرينلاند، يرى أبو النجا أن هذه المواقف تعكس أحيانًا ميلًا أمريكيًا للنظر إلى التحالفات الدولية من منظور مصالح اقتصادية واستراتيجية ضيقة، وهو ما يضعف الثقة بين الحلفاء الأوروبيين.
وأضاف أبو النجا أن أي شك في الالتزام الأمريكي يدفع دول الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز استراتيجياتها الدفاعية الذاتية وتقوية التعاون بين العواصم الأوروبية.
أما على الصعيد الدولي، فأكد أبو النجا أن أي انسحاب أمريكي من الناتو قد يعيد تشكيل التوازن العالمي، حيث قد تستغل روسيا الفرصة لزيادة نفوذها في أوروبا الشرقية والبلطيق، بينما قد تنظر الصين إلى أوروبا كمنطقة للتوسع الاقتصادي والدبلوماسي بعيدًا عن النفوذ الأمريكي المباشر.
كما لفت إلى احتمال أن تتجه أوروبا نحو تعزيز روابطها الدفاعية والسياسية الداخلية والتفاوض مباشرة مع روسيا والصين في بعض الملفات الاستراتيجية.
ويرى أبو النجا أن أوروبا، في حال ضعف الالتزام الأمريكي بالحلف، تحتاج إلى تبني سياسات دفاعية واستراتيجية واضحة تشمل تعزيز قدراتها الذاتية، تطوير الردع النووي التكتيكي، توسيع التعاون الاستخباراتي بين دول الاتحاد الأوروبي وحلفاء آخرين، وتنويع الشراكات العسكرية لتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة.
وشدد أبو النجا على أهمية تعزيز الدبلوماسية متعددة الأطراف لضمان الأمن والاستقرار الإقليميين، مع الحفاظ على التوازن مع روسيا والصين دون الاعتماد الكلي على واشنطن.
وأضاف أبو النجا أن أي خطوة أمريكية نحو الانسحاب، أو حتى تخفيف الالتزام، ستشكل اختبارًا حقيقيًا لتماسك الناتو، وستجبر أوروبا على إعادة رسم سياساتها الدفاعية والدبلوماسية لضمان أمنها واستقرارها في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.
هل يملك ترامب فعليًا صلاحية الانسحاب من الناتو؟
رغم التصريحات المتكررة للرئيس الأمريكي حول إمكانية انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي، يرى مراقبون أن تنفيذ هذا السيناريو ليس بالأمر السهل.
فحلف الناتو قائم على معاهدة دولية أقرها الكونجرس عام 1949، ما يعني أن أي انسحاب رسمي يستلزم موافقة تشريعية، ولا يندرج ضمن صلاحيات الرئيس وحده.
وفي السابق، أقر الكونجرس قوانين تقيد أي محاولة رئاسية للانسحاب دون موافقته، بهدف حماية الأمن القومي الأمريكي والحفاظ على استقرار الحلفاء. لكن خبراء الشؤون الاستراتيجية يحذرون من أن الخطر قد لا يكون في الانسحاب القانوني المباشر بقدر ما يكمن في ما يعرف بالـ”انسحاب الوظيفي”.
هذا الشكل من الانسحاب يتمثل في تقليص الالتزامات العملية تجاه الحلف، عبر خفض الوجود العسكري في أوروبا، أو تقليص التمويل، أو التشكيك في مبدأ الدفاع الجماعي، ما قد يؤدي فعليًا إلى إضعاف الناتو دون خرق نص المعاهدة. وبذلك، يصبح التلويح بالانسحاب أداة ضغط سياسية واستراتيجية أكثر من كونه خيارًا قابلًا للتنفيذ السريع.



